قرر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث التراجع عن خططه الرامية إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وذلك بعد رفض البيت الأبيض لمقترح كان يعتزم الإعلان عنه رسمياً خلال الاجتماع المرتقب لوزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة البلجيكية بروكسل. وجاء هذا التراجع المفاجئ ليعكس حالة من التباين الداخلي في الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول كيفية التعامل مع الحلفاء الأوروبيين وإعادة تموضع القوات في القارة العجوز.
كواليس الخلاف حول الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن وزير الدفاع بيت هيغسيث كان يخطط للإعلان عن تخفيضات إضافية في القوات الأمريكية بأوروبا، تتجاوز مجرد إلغاء نشر لواء مدرع في بولندا وسحب لواء مشاة من رومانيا. إلا أن هذا المقترح قوبل بالرفض القاطع بعد مناقشته مع وزير الخارجية ماركو روبيو وعدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية. وبناءً على ذلك، أعلن هيغسيث أن وزارة الدفاع (البنتاغون) ستجري مراجعة شاملة لتمركز القوات في القارة الأوروبية، وهي عملية قد تستغرق ما يصل إلى ستة أشهر، مما يشير إلى أن الإدارة لم تحسم بعد حجم أو توقيت أي تخفيضات مستقبلية.
الجذور التاريخية للانتشار العسكري الأمريكي في القارة العجوز
يعود تاريخ الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس حلف الناتو عام 1949، حيث شكلت القوات الأمريكية صمام الأمان للدفاع عن القارة في مواجهة الاتحاد السوفيتي خلال حقبة الحرب الباردة. ورغم تراجع أعداد هذه القوات بعد سقوط جدار برلين، إلا أن المخاوف الأمنية المتصاعدة في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد التدخلات العسكرية الروسية في أوكرانيا، دفعت واشنطن إلى تعزيز وجودها العسكري مجدداً في الجناح الشرقي للحلف، لا سيما في بولندا ورومانيا، لطمأنة الحلفاء وردع أي تهديدات محتملة.
انتقادات ترامب ومخاوف من إضعاف حلف الناتو
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه انتقادات لاذعة لدول حلف الناتو، معتبراً أنها لا تتحمل نصيبها العادل من الإنفاق الدفاعي وتعتمد بشكل مفرط على المظلة الأمنية الأمريكية. وقد أثارت مقترحات هيغسيث السابقة قلقاً واسعاً ليس فقط داخل أروقة الحلف في أوروبا، بل وأيضاً بين المشرعين الأمريكيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الذين يخشون أن تؤدي أي خطوة أحادية لتقليص القوات إلى إضعاف التحالف وتشجيع روسيا على اتخاذ خطوات أكثر عدوانية.
التأثيرات المتوقعة لقرار التراجع على الساحة الدولية
يحمل قرار التراجع عن التخفيض الفوري للقوات أبعاداً استراتيجية هامة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمن الناحية الإقليمية، يمثل القرار رسالة طمأنة مؤقتة لدول شرق أوروبا التي ترى في الوجود الأمريكي ضمانة وجودية لأمنها. أما على المستوى الدولي، فمن المتوقع أن يهيمن ملف الوجود العسكري والإنفاق الدفاعي على جدول أعمال قمة الناتو المرتقبة في أنقرة الأسبوع المقبل، حيث يسعى الحلف إلى إظهار وحدة الصف ودعم أوكرانيا، وسط مخاوف مستمرة من أن تؤثر الخلافات العميقة مع توجهات الرئيس ترامب على مستقبل العلاقات الأطلسية.


