spot_img

ذات صلة

خلافات حادة تهدد قمة الناتو.. هل ينجح الحلفاء في تجاوزها؟

تترقب الأوساط السياسية والعسكرية الدولية انطلاق قمة الناتو المرتقبة يومي 7 و8 يوليو الجاري، والتي تأتي في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد على الساحة العالمية. وتنعقد هذه القمة وسط تباينات وخلافات داخلية عميقة لم تنجح الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي في تسويتها بشكل كامل، على الرغم من الجهود الدبلوماسية المكثفة والمفاوضات المستمرة التي احتضنها مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت هذا الاجتماع الرفيع، وفقاً لما أوردته وكالة “بلومبيرغ” للأنباء.

أجندة ساخنة وملفات شائكة فوق طاولة قمة الناتو

تتعدد الملفات الخلافية التي تهدد وحدة الموقف داخل الحلف، حيث تبرز قضايا تمويل مشاريع البنية التحتية العسكرية كأحد أهم نقاط التباين. كما يلقي ملف مستقبل الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا بظلاله على النقاشات، إلى جانب القضية الأزلية المتعلقة بتقاسم أعباء الإنفاق الدفاعي بين الحلفاء الأوروبيين والولايات المتحدة الأمريكية.

وتكتسب هذه الدورة أهمية استثنائية كونها تمثل أول اجتماع رسمي للحلف منذ تصاعد التوترات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يفسر التوقعات العالية بأن يتصدر الملف الإيراني والتهديدات الأمنية في الشرق الأوسط أجندة المباحثات.

من الحرب الباردة إلى التحديات الراهنة: سياق تاريخي متجدد

تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 1949 كتحالف دفاعي جماعي لمواجهة التهديدات السوفيتية إبان الحرب الباردة. وطوال عقود، شكلت “المادة الخامسة” من معاهدة واشنطن الركيزة الأساسية التي تضمن أمن الأعضاء، حيث تنص على أن أي اعتداء مسلح ضد أي منهم يعتبر اعتداءً عليهم جميعاً. ولم تُفعل هذه المادة تاريخياً إلا مرة واحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

اليوم، يجد الحلف نفسه أمام اختبار حقيقي لإعادة تعريف هويته ودوره في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب، وتحديات أمنية غير تقليدية تشمل الأمن السيبراني، وحماية الممرات المائية الحيوية، ومواجهة الطموحات النووية لبعض القوى الإقليمية مثل إيران.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسألة الإنفاق الدفاعي

وفقاً لمسودة البيان الختامي للقمة التي اطلعت عليها وكالة “رويترز”، من المنتظر أن يؤكد قادة الحلف، وفي مقدمتهم رئيس أمريكا الحالي دونالد ترامب، على موقف حازم يقضي بضرورة منع إيران من امتلاك أي سلاح نووي بشكل مطلق، مع دعوة طهران إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.

وفي خطوة تهدف لتبديد الشكوك التي أثارتها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة حول مدى التزام واشنطن بحماية القارة العجوز، يعتزم القادة تجديد “التزامهم الراسخ” بالمادة الخامسة. وكان ترامب قد جدد انتقاداته الحادة لمستويات الإنفاق العسكري الأوروبي، واصفاً مساهمة ألمانيا المالية مقارنة بالولايات المتحدة بأنها “أمر مثير للسخرية”.

من جانبه، رد المستشار الألماني فريدريش ميرتس بقوة على هذه الانتقادات، مؤكداً أن برلين ستضاعف ميزانيتها الدفاعية خلال السنوات الأربع المقبلة لتصل إلى مستويات قياسية، ومشدداً على أن ألمانيا “ليست بحاجة للاختباء خلف أحد” ولا داعي لأن تتجنب الإشادة بسجلها الدفاعي المتنامي.

مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا والتأثيرات الدولية للقمة

على صعيد الأزمة الأوكرانية، تظهر الانقسامات بوضوح في كواليس التحضيرات؛ إذ تضغط دول مثل إيطاليا لتخفيف صياغة الالتزامات العسكرية تجاه كييف حتى نهاية العام المقبل، بينما يحث المسؤولون في بولندا على توخي الحذر الشديد بشأن تقديم المزيد من الدعم المالي المباشر للحكومة الأوكرانية في ظل الضغوط الاقتصادية المحلية.

ومع ذلك، تشير مسودة البيان الختامي إلى تعهد مبدئي من أعضاء الحلف بتقديم دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو خلال عام 2026، مع الحفاظ على مستوى دعم مماثل في عام 2027. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المبالغ لا تمثل تمويلاً جديداً بالكامل، بل تدمج التعهد السنوي السابق للناتو البالغ 40 مليار يورو مع قرض الاتحاد الأوروبي السنوي البالغ 30 مليار يورو.

إن مخرجات هذه القمة لن تقتصر تأثيراتها على الصعيد الأوروبي فحسب، بل ستمتد لتشكل ملامح التوازنات الأمنية الدولية، وتوجه رسائل حاسمة إلى قوى إقليمية ودولية مثل روسيا وإيران والصين حول مدى تماسك المعسكر الغربي وقدرته على مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة.

spot_imgspot_img