دخل ملف الأموال الخارجية للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم مرحلة بالغة الحساسية والخطورة، حيث تسلط تحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) بالتعاون مع مدعين عامين في وزارة العدل الأمريكية الضوء على تتبع تحويلات مالية مشبوهة تجاوزت قيمتها 300 مليون دولار عبر النظام المالي للولايات المتحدة. وتأتي هذه التحركات وسط اتهامات متزايدة وشبهات تتعلق بغسيل الأموال والاحتيال المصرفي، بناءً على تحقيقات استقصائية مشتركة نشرتها صحيفتا “لا ناسيون” الأرجنتينية و”ميامي هيرالد” الأمريكية.
تفاصيل استجواب “توفوني” وعلاقة الشركات الوهمية في فلوريدا
استمع المحققون في واشنطن وميامي في أواخر يونيو 2026 إلى إفادة رجل الأعمال غييرمو توفوني في جلسة تحقيق مطولة استمرت لثلاث ساعات كاملة. وتركزت الأسئلة بشكل أساسي حول طريقة إدارة رئيس الاتحاد الأرجنتيني، كلاوديو تابيا، وأمينه التنفيذي بابلو توفيغينو، وعلاقتهما بشركة “تور برود إنتر” المسجلة في ولاية فلوريدا الأمريكية. وتكشف السجلات المصرفية التي حصلت عليها الصحافة أن هذه الشركة أدارت ما يقارب 260 مليون دولار من إيرادات الاتحاد الأرجنتيني بين عامي 2021 و2025 عبر حسابات في بنوك كبرى مثل “بنك أوف أمريكا”، “سينوفوس”، “سيتي بنك”، و”جي بي مورغان”. كما كشفت التحقيقات عن شبكة تضم 6 وسطاء جمعوا أكثر من 300 مليون دولار من عقود الرعاية والبث التلفزيوني والمباريات الدولية.
وأظهرت حركة الحسابات البنكية المرصودة تحويل مبالغ ضخمة تصل إلى 41.9 مليون دولار إلى أربع شركات في ولاية فلوريدا لا تسجل أي موظفين أو نشاط تجاري حقيقي على أرض الواقع. وتوزعت هذه المبالغ كالتالي: حصلت شركة “فيلباسالت” على 14.7 مليون دولار، و”مارماش” على 13.4 مليون دولار، و”سواغو سيرفيسز” على 10.8 مليون دولار، بينما حصلت شركة “فيلب” على 3 ملايين دولار. والمثير للريبة أن هذه الشركات ارتبطت بأشخاص يقيمون في الأرجنتين، من بينهم موظفون ومستفيدون من مساكن اجتماعية وأشخاص يواجهون ديوناً وإفلاساً، في حين استخدمت ثلاث من هذه الشركات عنوان مكتب افتراضي واحد في ميامي لإخفاء هويتها الحقيقية.
هل يواجه الفيفا اتهامات جديدة في تحقيقات الفيدرالي الأمريكي؟
برز اسم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في هذه القضية من خلال تقرير نشره الصحفي الاستقصائي الفرنسي رومان مولينا، الذي أشار إلى أن “فيفا” قام بتحويل عوائد مالية مرتبطة بمونديال قطر 2022 مباشرة إلى حساب شركة “تور برود إنتر” بدلاً من تحويلها إلى الحساب الرسمي للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم. ورغم هذه الادعاءات، لا تظهر الوثائق المنشورة حتى الآن أدلة قاطعة تثبت اشتراك الفيفا في تحويل الأموال لاحقاً إلى الشركات الأربع المشبوهة، كما لم تذكر التقارير الأمريكية الرسمية الاتحاد الدولي كطرف متهم أو خاضع للتحقيق المباشر.
وتبلغ مكافأة الأرجنتين للفوز بكأس العالم 2022 حوالي 42 مليون دولار، وهو رقم يتقارب بشكل كبير مع قيمة التحويلات للشركات الأربع، لكن السجلات لا تؤكد بشكل جازم أن الأموال المحولة هي ذاتها مكافأة البطولة، نظراً لأن الحسابات كانت تضم مئات الملايين من إيرادات الرعاية والبث الأخرى. ويعود العقد المبرم بين الاتحاد الأرجنتيني وشركة “تور برود إنتر” إلى 9 ديسمبر 2021، أي قبل عام كامل من نهائي مونديال قطر، حيث منح الشركة 30% من الإيرادات التجارية الخارجية بعد خصم الضرائب، بالإضافة إلى 10% لتغطية النفقات اللوجستية. ومن جانبه، دافع الاتحاد الأرجنتيني عن هذا الاتفاق مؤكداً حصوله على 70% من الإيرادات، ومشدداً على أن إجراءات التحقيق الحالية لا تعني الإدانة بأي شكل من الأشكال، حيث لا يزال الملف في مرحلة جمع الإفادات وتحليل السجلات دون توجيه اتهامات جنائية رسمية.
السياق التاريخي لفضائح كرة القدم وتأثيرها المتوقع
تعيد هذه القضية إلى الأذهان الفضيحة الشهيرة المعروفة باسم “فيفا غيت” (FIFA Gate) عام 2015، والتي كشفت عن شبكة فساد واسعة النطاق داخل أروقة الاتحاد الدولي والاتحادات القارية، وأدت إلى الإطاحة برؤوس كبيرة في عالم كرة القدم. إن تكرار مثل هذه الشبهات يضع مصداقية المؤسسات الرياضية الكبرى على المحك مرة أخرى.
وعلى الصعيد المحلي والإقليمي، قد تؤدي هذه التحقيقات إلى هزات إدارية عنيفة داخل الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، مما قد يؤثر على استقرار المنتخب الوطني بطل العالم. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار تتبع هذه الأموال يثبت عزم السلطات الأمريكية على تنظيف البيئة المالية الرياضية من عمليات غسيل الأموال واستغلال النفوذ، مما يفرض على الفيفا والاتحادات القارية تشديد الرقابة المالية والالتزام بمعايير الشفافية الدولية لتجنب عقوبات صارمة قد تعصف بمستقبل اللعبة الاستثماري.


