في خطوة كبرى تعيد صياغة المشهد الاقتصادي الدولي، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حزمة جديدة من الرسوم الجمركية الأمريكية على واردات قادمة من 60 شريكاً تجارياً، من بينهم الاتحاد الأوروبي والصين واليابان وكوريا الجنوبية. وجاء هذا القرار مبرراً بما وصفته واشنطن بـ “ضعف تطبيق قوانين مكافحة العمل القسري” في تلك الدول. ودخل القرار حيز التنفيذ فجر اليوم الجمعة بالتزامن مع انتهاء العمل بالتعريفة الجمركية العالمية المؤقتة البالغة 10%، في مسعى متجدد من البيت الأبيض لترسيخ سياساته التجارية الحمائية وحماية الأسواق المحلية.
الجذور التاريخية لسياسات الحمائية التجارية الأمريكية
تأتي هذه الخطوة كامتداد طبيعي للعقيدة الاقتصادية التي يتبناها الرئيس دونالد ترمب، والتي تركز على شعار “أمريكا أولاً” وحماية الصناعات الوطنية من المنافسة الأجنبية غير العادلة. وتاريخياً، تعود جذور هذه القرارات إلى رغبة واشنطن المستمرة في تقليص العجز التجاري وحث الشركاء الدوليين على تبني معايير صارمة ضد العمل القسري، وهو ما أكده الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة تطبق حظراً على استيراد منتجات العمل القسري منذ ما يقرب من قرن. ولتجنب العقبات القانونية التي واجهتها الإدارة سابقاً عندما أبطلت المحكمة العليا جزءاً من الرسوم المفروضة بموجب قانون الطوارئ الوطنية في فبراير الماضي، استندت الإدارة الحالية إلى المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، مما يمنح القرار أساساً قانونياً صلباً يصعب إسقاطه أمام القضاء.
تفاصيل الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة والاستثناءات الحيوية
وفقاً للإشعار الرسمي المنشور في السجل الفيدرالي، تتراوح نسب الرسوم الجديدة بين 10% و12.5%، وهي تغطي نحو 99.4% من إجمالي الواردات الأمريكية. ومع ذلك، حرصت الإدارة الأمريكية على استثناء مجموعة واسعة من السلع الاستراتيجية لتفادي حدوث صدمات تضخمية حادة في السوق الاستهلاكية المحلية؛ حيث شملت الاستثناءات النفط، والغاز الطبيعي، والأسمدة، وبعض المنتجات الغذائية الأساسية، بالإضافة إلى الطائرات وقطع غيارها والمعادن الحيوية. كما استُثنيت المنتجات الخاضعة مسبقاً لرسوم الأمن القومي بموجب المادة 232، مثل السيارات، والصلب، والألومنيوم، والنحاس. ولتسهيل حركة التجارة مؤقتاً، تقرر إعفاء البضائع التي كانت في طريقها بالفعل إلى الموانئ الأمريكية قبل بدء التطبيق، على أن يستمر هذا الاستثناء حتى 28 يوليو الجاري.
خريطة الدول المستهدفة وموقف الصين وفيتنام
تتوزع الرسوم الجديدة بشكل مدروس على الشركاء التجاريين؛ حيث فرضت واشنطن رسوماً بنسبة 10% على واردات دول مثل الأرجنتين، وبنغلاديش، والمملكة المتحدة، وكندا، والمكسيك، والهند، والأردن، وإندونيسيا، وماليزيا. في حين خضعت دول الاتحاد الأوروبي، وتايوان، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسويسرا لرسوم تجعل إجمالي التعريفات المفروضة عليها يصل إلى 10% أو 12.5% بعد دمج الرسوم السابقة. وفي المقابل، طُبقت نسبة 12.5% على 38 دولة أخرى في مقدمتها الصين وفيتنام. وتأتي هذه الخطوة في سياق اتهامات أمريكية مستمرة لبكين باستخدام الأقليات، وخاصة الإيغور، في أعمال قسرية داخل معسكرات العمل، وهو ما تنفيه الصين باستمرار. وفي ذات الوقت، أكد مسؤولون أمريكيون لنظرائهم الصينيين أن إدارة ترمب تعتزم إعادة الرسوم على السلع الصينية إلى مستوى 20%، تماشياً مع الهدنة التجارية الموقعة بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في نوفمبر 2025 دون تجاوزها.
التأثيرات المتوقعة للقرارات على الأسواق العالمية
أثارت هذه القرارات موجة واسعة من الانتقادات الدولية؛ حيث وصفت أستراليا والبرازيل الرسوم بأنها غير مبررة وتعهدتا بالعمل على إلغائها، بينما اعتبرت النرويج أنه لا يوجد أي أساس لفرضها. ومن جهتها، أكدت كندا مواصلة الحوار للوصول إلى حلول تخدم مصالح البلدين بعد فرض رسوم إضافية على وارداتها بقيمة 20 مليار دولار مطلع الأسبوع. وفي المقابل، رحب الاتحاد الأوروبي وسويسرا بالالتزام بسقف الرسوم المتفق عليه سابقاً، بينما أشارت بريطانيا إلى أن القرار لن يؤثر سلباً على شركاتها بفضل استمرار الاتفاق التجاري وإعفاء صادرات الويسكي والأجهزة الطبية. وعلى صعيد آخر، برز قطاع الألماس البلجيكي كأحد أكبر المستفيدين بعد استعادة صادرات الألماس المصقول إعفاءها من الرسوم، وهو ما يمثل دفعة قوية لمركز أنتويرب العالمي للألماس الذي بلغت صادراته لأمريكا 2.1 مليار دولار في عام 2024.


