ليست الثأرية وتصفية الحسابات التاريخية من منطق الدولة السيادية الحديثة المتصاعدة من حولنا، والمعنية حكوماتها بالمدنية، وتوفير البنى التحتية، واستجلاب الموارد المالية لرفع كفاءة وقدرات شعبها بالعلم والتقنية. ومع ذلك، يصر نظام الملالي في طهران على المضي قدماً في تأجيج حرب الوكالة الإيرانية في المنطقة، متجاهلاً متطلبات العصر الحديث ولغة المصالح المشتركة، ومفضلاً العيش في جلباب الماضي ومرويات حقب جاهلية مضى عليها مئات السنين.
الجذور التاريخية وأبعاد حرب الوكالة الإيرانية في المنطقة
تأسس النظام الإيراني الحالي في عام 1979 عقب الثورة الإسلامية، ومنذ ذلك الحين تبنى استراتيجية “تصدير الثورة” كركيزة أساسية لسياساته الخارجية. هذا التوجه أدى إلى نشوء شبكة معقدة من الميليشيات والجماعات المسلحة في دول مثل لبنان، واليمن، والعراق، وسوريا. وبدلاً من بناء دولة رفاهية تركز على التنمية الاقتصادية والتعليم، استنزفت طهران ثروات الشعب الإيراني لتمويل هذه الأذرع، مما جعل حرب الوكالة الإيرانية أداة رئيسية لزعزعة استقرار الجوار الإقليمي ومحاولة فرض الهيمنة الفارسية المتخيلة، وهي أوهام تصطدم دوماً بحقائق الجغرافيا والتوازنات الدولية المعاصرة.
تداعيات الصراع المستمر على الداخل الإيراني والإقليم
على الصعيد المحلي، يعاني الشعب الإيراني الشقيق، المتطلع للتحضر والتمدن، من أزمات اقتصادية خانقة، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور العملة الوطنية نتيجة العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية. لقد عبر المواطنون الإيرانيون في مناسبات متعددة عن رفضهم لتبديد مقدراتهم في صراعات خارجية لا طائل منها. إقليمياً، تسببت هذه السياسات في خلق بؤر توتر مستمرة هددت ممرات الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، مما دفع المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى فرض استراتيجيات صارمة للحد من هذه السلوكيات المزعزعة للأمن والاستقرار الإقليمي.
مستقبل الشرق الأوسط بين خيار التنمية وأوهام التوسع
إن تحقيق السلام الشامل والتنمية المستدامة في منطقة الشرق الأوسط يتطلب بشكل حتمي تخلي نظام طهران عن خطابات الثأر وأوهام التمدد الإمبراطوري البائد. لا يمكن للمنطقة أن تستقر طالما استمرت طهران في تغذية النزاعات الطائفية والمسلحة. إن الإصغاء لصوت العقل، والالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول، والاستجابة لتطلعات الشعب الإيراني في العيش الكريم، هي السبل الوحيدة لإنهاء حقبة الصراعات العبثية وبناء مستقبل مشرق يعتمد على الابتكار، والتقنية، واقتصادات السوق المفتوحة.


