كشف تقرير حقوقي حديث عن تفاصيل صادمة ومروعة حول الممارسات الممنهجة التي أدت إلى تدمير المنظومة الصحية في اليمن من قبل ميليشيا الحوثي في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وأوضح التقرير الصادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات حجم الانتهاكات الواسعة التي استهدفت الكوادر الطبية والمستشفيات، مما حرم ملايين المواطنين من حقهم الأساسي في الحصول على الرعاية الطبية والعلاج والخدمات الإنسانية الضرورية للبقاء على قيد الحياة.
الجذور التاريخية للأزمة الإنسانية في اليمن
منذ الانقلاب الحوثي على الشرعية في أواخر عام 2014، دخلت اليمن في نفق مظلم من الصراعات التي دمرت البنية التحتية للبلاد بشكل شبه كامل. ولم يكن القطاع الصحي بمنأى عن هذه الحرب الممنهجة؛ بل كان في مقدمة القطاعات المستهدفة. على مدى السنوات الماضية، تحولت المستشفيات والمراكز الطبية من ملاذات آمنة لإنقاذ الأرواح إلى ساحات للصراع وثكنات عسكرية، مما مهد الطريق لانهيار تاريخي في تقديم الخدمات الطبية الأساسية للمواطنين اليمنييين الذين يواجهون اليوم أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقاً لتصنيفات الأمم المتحدة.
أرقام مفزعة توثق استهداف الكوادر الطبية
وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في تقريرها الأخير ما يصل إلى 6,231 انتهاكاً ارتكبتها الميليشيا الحوثية ضد القطاع الصحي خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2020 وحتى منتصف عام 2026. وشملت هذه الانتهاكات اعتداءات مباشرة على الكوادر الطبية، حيث تم توثيق 62 حالة قتل استهدفت أطباء وممرضين ومسعفين، بالإضافة إلى إصابة 87 آخرين نتيجة القصف المباشر وعمليات القنص وزراعة الألغام. ولم تتوقف الجرائم عند هذا الحد، بل رصد التقرير اعتقال واختطاف 167 كادراً طبياً، إلى جانب 19 حالة اختفاء قسري طالت العاملين في هذا المجال الإنساني.
تدمير المنظومة الصحية في اليمن عبر استهداف البنية التحتية
لم تكتفِ الميليشيا باستهداف البشر، بل امتدت يد التخريب لتطال الحجر، حيث وثق التقرير الحقوقي 1,240 انتهاكاً استهدف المنشآت الصحية بشكل مباشر. وتنوعت هذه الجرائم بين اقتحام وإغلاق المستشفيات، وقصفها بالمدفعية، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة. وسجل التقرير إغلاق واقتحام 732 مستشفى ومركزاً صحياً وصيدلية، وتدمير 36 منشأة طبية بالكامل، و229 منشأة بشكل جزئي. كما تم الاستيلاء والتمترس داخل 137 منشأة صحية، ونهب وتفجير عشرات المرافق الأخرى، واستهداف سيارات الإسعاف بشكل مباشر في 29 واقعة، فضلاً عن نهب 689 سيارة إسعاف واستخدامها لأغراض عسكرية لنقل المقاتلين والعتاد.
سياسة التجويع الوظيفي ونهب الدواء
في إطار سياستها لتضييق الخناق على القطاع الطبي، قامت الميليشيا بفصل 569 موظفاً وعاملاً صحياً من وظائفهم بسبب رفضهم تبني الأفكار الطائفية للجماعة. كما حرمت أكثر من 48 ألف موظف في القطاع الصحي من رواتبهم الشهرية، مما دفع بالكثير من الكفاءات الطبية إلى الهجرة خارج البلاد بحثاً عن لقمة العيش وتجنباً للملاحقات الأمنية. وعلى صعيد الدواء، قامت الميليشيا بنهب 18 مخزناً للأدوية وتحويل المساعدات الطبية الدولية لصالح ما يسمى بـ “المجهود الحربي” وبيعها في السوق السوداء، إلى جانب إغلاق 1,107 صيدليات وفرض إتاوات باهظة على المستشفيات الخاصة وإجبارها على علاج جرحى الميليشيا مجاناً تحت إشراف مشرفين حوثيين تم تعيينهم قسراً.
التأثيرات المحلية والدولية لانهيار القطاع الصحي
تتجاوز آثار هذا التدمير الممنهج الحدود المحلية لتشكل تهديداً إقليمياً ودولياً كبيراً. محلياً، أدى انهيار المنظومة الطبية إلى تفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة مثل الكوليرا والدفتيريا وشلل الأطفال، وارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال والأمهات لعدم توفر الرعاية الأساسية. إقليمياً ودولياً، يضع هذا الانهيار عبئاً هائلاً على المنظمات الإنسانية الدولية والجهات المانحة التي تجد صعوبة بالغة في إيصال المساعدات في ظل القيود الحوثية، مما ينذر بكارثة صحية عابرة للحدود قد يصعب السيطرة عليها مستقبلاً إذا استمر هذا الاستهداف الممنهج للقطاع الصحي.


