في حوار مفعم بالأصالة والقيم الأدبية، أكد الشاعر السعودي صالح العامري أن الجرأة والثقة بالنفس كانتا المفتاح الأساسي لدخوله الساحة الشعرية في سن مبكرة. وأوضح العامري في حديثه لـ«عكاظ» أن شعر العرضة الجنوبية يمثل هوية ثقافية راسخة وموروثاً شعبياً عصياً على النسيان، مشيراً إلى قدرته على الجمع بين شعر العرضة والنظم والشيلات، وفرض حضوره القوي في مختلف المحافل والمناسبات الثقافية.
التوازن بين الأصالة والتجديد في شعر العرضة الجنوبية
يتحدث العامري عن تجربته الفريدة في الدمج بين الألوان الشعبية المختلفة. فقد وجد نفسه مبكراً في ميدان العرضة، حيث قادته جرأته لاقتحام الصفوف ومواجهة كبار الشعراء في ساحة لا تقبل أنصاف المواهب؛ فإما أن تفرض حضورك من اللحظة الأولى أو يتم إقصاؤك. ولم يكتفِ العامري بالعرضة بل وضع بصمته في فن “الشيلات” كأحد أوائل من طرقوا هذا الباب في منطقة العرضيات وما جاورها، بالإضافة إلى محاولاته المستمرة في شعر النظم.
الجذور التاريخية للفنون الشعبية في المملكة
يعود تاريخ العرضة في الجزيرة العربية إلى عقود طويلة، حيث كانت تُقام قديماً كرقصة حرب وبث للحماس في نفوس المقاتلين قبل المعارك، لتتحول مع مرور الزمن وتأسيس الدولة السعودية إلى رمز للبهجة والفخر والاعتزاز بالهوية الوطنية في المناسبات الرسمية والأعياد. ويتميز هذا الفن بوجود “الشاعر” الذي يرتجل القصائد الحماسية والاجتماعية، ليرد عليه الصفوف بترديد الأبيات بالتزامن مع قرع الطبول وحمل السيوف، مما يجعله فناً أدبياً وبصرياً متكاملاً يعكس شجاعة وقيم المجتمع السعودي.
الأثر الثقافي والاجتماعي للموروث الشعبي
لا يقتصر تأثير الفنون الشعبية مثل العرضة على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليشكل جسراً ثقافياً يربط الأجيال الجديدة بجذورها التاريخية، ويعزز من حضور التراث السعودي على المستوى الإقليمي والدولي، لا سيما مع إدراج العرضة النجدية سابقاً في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو. هذا الاهتمام الدولي يمنح الشعراء المعاصرين مثل صالح العامري مسؤولية مضاعفة للحفاظ على نقاء هذا الفن وحمايته من الاندثار أو التشويه وسط موجات الحداثة والمؤثرات الفنية المعاصرة كالشيلات.
تحديات الساحة الشعرية والعلاقة مع الزملاء
وفي سياق حديثه عن كواليس الساحة، نفى العامري دخوله في أي مهاترات أو صراعات شخصية، مؤكداً احترامه لجميع زملائه الشعراء وتجنبه للزلل. وأشار إلى أن المنافسة الشريفة أو “الشراسة المحببة” المقيدة بالآداب العامة مطلوبة لإثبات القدرات. كما عبّر عن استمتاعه الكبير بالوقوف في الحفلات إلى جانب أسماء بارزة مثل مصلح بن عياد، وعبدالله بن عقاب، ومصلح الساعدي، وعبدالواحد الزهراني، واصفاً اجتماعهم بـ”لقاء السحاب”. واختتم العامري حديثه مبدياً أسفه الشديد على اعتزال الشاعر الكبير عبدالواحد الزهراني، مؤكداً أن غيابه ترك فراغاً كبيراً لم يُسد حتى الآن في ساحة العرضة.


