في تطور يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الاستراتيجية، نددت روسيا بشدة بإعلان حلف شمال الأطلسي (الناتو) إرسال قوات إضافية إلى جزيرة غرينلاند، وهي خطوة تأتي في سياق اهتمام أمريكي سابق بالجزيرة وتزايد التنافس على النفوذ في المنطقة القطبية. هذا الإعلان، الذي تزامن مع تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول رغبته في شراء غرينلاند، يلقي بظلاله على الاستقرار الإقليمي ويثير مخاوف من عسكرة متزايدة.
أعربت السفارة الروسية في بروكسل عن قلقها البالغ من هذا التوجه، مشددة على أن الناتو، “عوضاً عن القيام بعمل بنّاء في إطار المؤسسات القائمة، وخصوصاً مجلس القطب الشمالي، اختار مسار عسكرة متسارع في الشمال”. وأضافت السفارة أن الحلف يعزز تواجده العسكري هناك تحت “ذريعة متخيّلة هي تهديد عسكري متزايد من موسكو وبكين”، مؤكدة أن الوضع الناشئ في خطوط العرض القطبية يثير قلقاً بالغاً لدى روسيا. هذا الموقف الروسي يعكس وجهة نظر موسكو بأن تحركات الناتو هي استفزازية وتساهم في زعزعة الاستقرار بدلاً من تعزيز التعاون في منطقة حساسة.
من جانبها، أكدت السلطات في غرينلاند وصول هذه القوات. فقد صرح ميوتي ايغيدي، نائب رئيس وزراء غرينلاند، بوصول مزيد من قوات حلف شمال الأطلسي، وذلك عقب اجتماع رفيع المستوى في البيت الأبيض جمع مسؤولين دنماركيين وغرينلانديين وأمريكيين. وتوقع ايغيدي أن “جنود الناتو سيصبحون أكثر انتشاراً في غرينلاند اعتباراً من اليوم وفي الأيّام القادمة”، مشيراً إلى احتمال ارتفاع عدد الرحلات الجوية والسفن العسكرية في المنطقة، مما يؤكد الطبيعة المتزايدة للوجود العسكري.
تاريخياً، لطالما كانت غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم وإقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، ذات أهمية استراتيجية قصوى. فخلال الحرب الباردة، لعبت الجزيرة دوراً محورياً كقاعدة متقدمة للولايات المتحدة، حيث استضافت قاعدة ثول الجوية، وهي منشأة دفاعية حيوية ضمن شبكة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية. موقعها الجغرافي الفريد بين أمريكا الشمالية وأوروبا يجعلها نقطة مراقبة حاسمة ومحوراً لوجستياً محتملاً، مما يفسر الاهتمام المتجدد بها في سياق التنافس الجيوسياسي الحالي.
الاهتمام الأمريكي بغرينلاند ليس جديداً، فقد سبق للرئيس دونالد ترامب أن عبر عن رغبته في شراء الجزيرة، مبرراً ذلك بحاجة بلاده لامتلاكها “لمنع روسيا أو الصين من احتلالها في المستقبل”. هذا الاقتراح قوبل برفض قاطع من الدنمارك وغرينلاند، حيث أكد وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن أن هناك “مواقف مختلفة وليس من الضروري على الإطلاق أن تستولي الولايات المتحدة على غرينلاند”، مشدداً على أن الخلاف كان جوهرياً بين بلاده والولايات المتحدة بشأن هذه المسألة. هذا الرفض يؤكد السيادة الدنماركية على غرينلاند واستقلال قرارها.
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القطب الشمالي تحولاً جيوسياسياً كبيراً. فذوبان الجليد بفعل التغير المناخي يفتح ممرات ملاحية جديدة، مثل طريق البحر الشمالي، ويجعل الموارد الطبيعية الهائلة (النفط والغاز والمعادن) أكثر سهولة للوصول إليها. هذا الواقع الجديد أثار شهية القوى الكبرى، حيث تسعى روسيا لتعزيز سيطرتها على ممراتها الشمالية وتطوير بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، بينما تسعى الصين إلى ترسيخ وجودها عبر مبادرة “طريق الحرير القطبي”. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو إلى مواجهة ما يعتبرونه نفوذاً متزايداً لروسيا والصين في المنطقة، مما يحول القطب الشمالي إلى ساحة جديدة للمنافسة الاستراتيجية.
إن تداعيات هذا التصعيد المحتملة متعددة الأوجه. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي تزايد الوجود العسكري إلى زيادة مخاطر الحوادث وسوء التقدير، مما يؤثر على أمن واستقرار المنطقة، بما في ذلك المجتمعات الأصلية التي تعيش في القطب الشمالي. دول مثل الدنمارك والنرويج وكندا، التي لها مصالح مباشرة في المنطقة، تجد نفسها في موقف دقيق بين الحفاظ على سيادتها ومصالحها وبين التوازنات الجيوسياسية الأوسع. دولياً، يسلط هذا الحدث الضوء على تحول القطب الشمالي من منطقة للتعاون العلمي والبيئي إلى بؤرة للتوترات العسكرية والاقتصادية، مما يستدعي جهوداً دبلوماسية مكثفة لتجنب المزيد من التصعيد وضمان الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية للعالم.


