spot_img

ذات صلة

سوريا: تمديد وقف إطلاق النار مع قسد لدعم إخلاء سجناء داعش

دمشق، سوريا – أعلنت وزارة الدفاع السورية اليوم (السبت) تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» لمدة 15 يوماً إضافية. يأتي هذا التمديد في سياق جهود معقدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا، وتحديداً في محافظة الحسكة، التي تشهد توترات مستمرة وصراعاً على النفوذ بين أطراف متعددة.

ووفقاً لبيان الوزارة، فإن تمديد وقف إطلاق النار في قطاعات عمليات الجيش العربي السوري كافة سيبدأ اعتباراً من الساعة 23:00 الموافق 24 يناير 2026. وأوضحت الوزارة أن هذا القرار يأتي “دعماً للعملية الأمريكية لإخلاء سجناء تنظيم «داعش» من سجون «قسد» إلى العراق”، مما يسلط الضوء على البعد الدولي لهذه التفاهمات وأهمية مكافحة الإرهاب كقضية مشتركة.

السياق التاريخي والجيوسياسي:

تعد الأزمة السورية، التي بدأت في عام 2011، واحدة من أعقد الصراعات في العصر الحديث، حيث تحولت من احتجاجات داخلية إلى حرب أهلية شاملة بتدخلات إقليمية ودولية واسعة. محافظة الحسكة، الواقعة في شمال شرق سوريا، أصبحت بؤرة للعديد من هذه التعقيدات. فبعد انسحاب قوات النظام السوري من أجزاء واسعة منها في السنوات الأولى للأزمة، سيطرت عليها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وهي تحالف يغلب عليه المقاتلون الأكراد وتدعمه الولايات المتحدة. هذه السيطرة أدت إلى احتكاكات متكررة مع الحكومة السورية، وكذلك مع تركيا التي تعتبر «قسد» امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني» (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية.

كما أن وجود تنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة، وسيطرته على مساحات واسعة قبل هزيمته الإقليمية، ترك وراءه إرثاً ثقيلاً من السجناء والمشردين في مخيمات مثل الهول، التي تشكل قنبلة موقوتة أمنياً وإنسانياً. إن مسألة مصير هؤلاء السجناء، وخاصة المقاتلين الأجانب، تمثل تحدياً كبيراً للمجتمع الدولي، وتبرز أهمية أي جهود تهدف إلى معالجتها.

أهمية التمديد وتأثيره المحتمل:

إن تمديد وقف إطلاق النار، حتى لو كان مؤقتاً، يحمل أهمية كبيرة على عدة مستويات. محلياً، يمكن أن يوفر هذا التمديد فترة من الهدوء النسبي للسكان المدنيين في الحسكة، الذين عانوا طويلاً من الصراع والاضطرابات. كما أنه يتيح فرصة للجهود الإنسانية، حيث أشارت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري إلى أنه سيتم فتح ممرات إنسانية لتقديم الدعم والإغاثة بالتعاون مع الوزارات المختصة. إقليمياً، يعكس هذا التفاهم، وإن كان غير مباشر، تقاطع مصالح بين أطراف متنافسة في مواجهة خطر «داعش» المستمر. فإخلاء سجناء التنظيم إلى العراق يمثل خطوة نحو تخفيف العبء الأمني على «قسد» وسوريا، ويساهم في استقرار الحدود العراقية السورية.

دولياً، يؤكد هذا التمديد على الدور الأمريكي المستمر في المنطقة، ليس فقط في دعم «قسد» بل أيضاً في تنسيق جهود مكافحة الإرهاب. إن التعامل مع ملف سجناء «داعش» يتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، وهذا التمديد قد يمهد الطريق لمزيد من التنسيق في المستقبل، على الرغم من التوترات السياسية القائمة بين دمشق وواشنطن.

وكان مصدر حكومي سوري قد أعلن في وقت سابق من مساء اليوم انتهاء مهلة الحكومة التي منحتها لـ«قوات سوريا الديمقراطية – قسد»، موضحاً أن الحكومة تدرس خياراتها، وفقاً لوكالة الأنباء السورية (سانا). هذا التصريح يعكس حالة عدم اليقين التي تسبق مثل هذه التفاهمات، ويؤكد على الطبيعة الهشة للاتفاقات في منطقة معقدة.

من جهة أخرى، نقلت «سانا» عن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري قولها إن تنظيم «قسد» استجلب تعزيزات من مليشيات «PKK» من جبال قنديل إلى محافظة الحسكة. واتهمت الهيئة «قسد» بالاستمرار بالقيام بانتهاكات واسعة بمناطق سيطرته من خلال عمليات الاعتقال والتهجير والتعذيب لكل من يعارض سياسته، محذرة تنظيم «قسد» ومليشيات «PKK» الإرهابية من استمرار استفزازاتهم وبث الأكاذيب والمقاطع المجتزأة. هذه الاتهامات المتبادلة تسلط الضوء على عمق الخلافات الأساسية التي لا تزال قائمة بين الطرفين، وتؤكد أن وقف إطلاق النار هو إجراء تكتيكي أكثر منه حل شامل.

وقالت الهيئة: «نقوم بدراسة الواقع الميداني وتقييم الحالة العملياتية لتحديد الخطوة القادمة»، لافتة إلى أنه سيتم فتح ممرات إنسانية خلال الساعات القادمة لتقديم الدعم والإغاثة بالتعاون مع الوزارات المختصة. وشددت هيئة العمليات على أن «الجيش العربي السوري سيكون الدرع الحامي لكل المجتمع السوري، وسيحافظ على وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، وسيقف بوجه جميع المشاريع الإرهابية العابرة للحدود».

يذكر أن رئاسة الجمهورية العربية السورية كانت قد أعلنت في الـ20 من الشهر الجاري التوصل إلى تفاهم مشترك بين الحكومة السورية و«قسد» حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة. وأشارت إلى أنه تم الاتفاق على منح «قسد» مدة أربعة أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً، وأعلنت حينها وزارة الدفاع إيقاف إطلاق النار في كل قطاعات عمليات الجيش العربي السوري لمدة أربعة أيام التزاماً بالتفاهم. هذا التمديد الحالي يأتي استكمالاً لتلك التفاهمات الأولية، ويؤكد على أن الحوار، وإن كان متقطعاً، لا يزال هو السبيل الوحيد لإدارة الصراع في هذه المنطقة الحساسة.

spot_imgspot_img