spot_img

ذات صلة

عام عيسى الكبير 2026: إرث الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في البحرين

عام عيسى الكبير 2026: تكريم لمهندس الدولة البحرينية الحديثة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة

في لفتة وطنية بالغة الدلالة، أمر الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، في 11 يناير 2026، بأن يحمل العام 2026 اسم «عام عيسى الكبير». يأتي هذا التكريم وفاءً لجده الأكبر الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، الملقب بـ«عيسى الكبير»، وتذكيراً بدوره المحوري في بناء الدولة البحرينية الحديثة وقيادة نهضتها المؤسسية والحضارية. هذا القرار الملكي يؤكد على مبدأ راسخ بأن الدولة التي تحافظ على تاريخها وماضيها هي الأقدر على صناعة حاضرها ومستقبلها، ويعكس اهتمام القيادة الحكيمة بترسيخ الذاكرة الجمعية وتذكير الأجيال الجديدة بمحطات التأسيس الأولى في تاريخ وطنهم.

البحرين في مطلع القرن العشرين: سياق تاريخي لعهد استثنائي

لفهم عمق إنجازات الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، من الضروري استعراض السياق التاريخي الذي حكم فيه. تولى الشيخ عيسى الكبير مقاليد الحكم في فترة بالغة الحساسية من تاريخ المنطقة، حيث كانت القوى الإقليمية والدولية تتصارع على النفوذ في الخليج العربي. كانت الإمبراطورية العثمانية في طور الأفول، وتصاعد النفوذ البريطاني بشكل كبير، بينما كانت المنطقة تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. كانت البحرين، بفضل موقعها الاستراتيجي وكونها مركزاً رئيسياً لتجارة اللؤلؤ، محط أنظار العديد من القوى، مما جعلها عرضة للتهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية. في هذا المشهد المعقد، برزت الحاجة إلى قيادة حكيمة وقوية قادرة على صون استقلال البلاد وتوجيهها نحو الاستقرار والتقدم.

لم يكن الشيخ عيسى الكبير قائداً عادياً وضعه القدر في طريق البحرين ليقودها في مرحلة إقليمية ودولية مليئة بالتحديات والتحولات فحسب، وإنما كان نبراساً اهتدى بنوره وحكمته وسداد رأيه إخوته وأبناؤه وأحفاده من آل خليفة الكرام إلى يومنا هذا. لقد كان شخصية حكيمة وصاحب رؤية متزنة وهادفة لتعزيز وحدة البحرين الداخلية وصون نسيجها الاجتماعي، مما جعله رمزاً للإجماع الوطني وممثلاً للهوية البحرينية الجامعة وقائداً استثنائياً حظي بالتفاف الشعب بمختلف مكوناته حوله.

نشأة القائد وتكوينه

ولد الشيخ عيسى بن علي بن خليفة بن سلمان بن أحمد (الفاتح) بن محمد بن خليفة آل خليفة في عام 1848، ابناً لوالده الشيخ علي بن خليفة آل خليفة حاكم البحرين والزبارة، ولوالدته الشيخة ثاجبة بنت أحمد آل خليفة. تلقى تعليماً خاصاً على يد مجموعة من المعلمين وعلماء الدين واللغة، فنشأ فصيحاً في لسانه، متفقهاً في دينه، بليغاً في لغته، متذوقاً للشعر، ومحباً لمجالسة العلماء. هذه النشأة المتكاملة صقلت شخصيته ومنحته الأدوات اللازمة لمواجهة تحديات الحكم.

تولى حكم البحرين بدءاً من الرابع من ديسمبر 1869، خلفاً لابن عمه الشيخ محمد بن عبدالله آل خليفة، واستمر في حكمها حتى انتقاله إلى جوار ربه في التاسع من ديسمبر 1932. حكم الشيخ عيسى الكبير البحرين مدة 63 سنة متواصلة، ليصبح بذلك أطول حكام البحرين والخليج عهداً، وشاهداً على تحولات عصر بأكمله. هذه الفترة الطويلة من الحكم مكنته من إرساء دعائم دولة حديثة ورؤية طويلة الأمد لمستقبل البحرين.

أركان النهضة البحرينية الحديثة في عهد عيسى الكبير

تأتي أهمية الشيخ عيسى الكبير – طيب الله ثراه – في تاريخ البحرين الحديث من كونه أحد صناع التاريخ في تلك الحقبة الصعبة والدقيقة، بما أوتي من شهامة ونخوة وإباء في تعاملاته، وحكمة وعدل ورجاحة عقل في إدارة أمور البلاد والعباد. لقد وضع أسس نهضة شاملة شملت كافة جوانب الحياة في البحرين.

1. الاستقرار السياسي والعلاقات الدولية

داخلياً، شهد عصره توقيع المعاهدة التعاقدية الأولى بين البحرين وبريطانيا العظمى في 22 ديسمبر 1880، والتي ترسخت بالمعاهدة التعاقدية الثانية بين البلدين في 13 مارس 1892. بموجب هاتين المعاهدتين، وبفضل حكمة وحنكة عيسى الكبير، تحقق للبحرين استقرار طويل الأمد وسط بيئة إقليمية مضطربة. هذا الاستقرار كان شرطاً أساسياً للسماح له بمباشرة جملة من الإنجازات والإصلاحات والتنظيمات بهدف تأسيس دولة حديثة وإقامة نهضة مؤسساتية ومعالم حضارية.

2. الإصلاحات القضائية والإدارية

في عهده، تم إصدار قوانين تنظم شؤون القضاء لتحقيق العدالة، وشؤون الأسرة الحاكمة بما في ذلك تنظيم الحكم الوراثي بحيث يتولى أكبر الأبناء سناً بعد أبيه، حفاظاً على استقرار البحرين وصون وحدتها. علاوة على ذلك، صدرت قوانين أخرى خاصة بزيادة الرقعة الزراعية وتأسيس دائرة للطابو في عام 1924 لمسح وتسجيل الأراضي، مما أسهم في تنظيم الملكية العقارية وتثبيت الحقوق. كما تم تطوير الموانئ والجمارك والبريد وتأسيس دوائر الماء والكهرباء بعد دخول الكهرباء إلى المنامة والمحرق في عامي 1930 و1931 على التوالي، وهي خطوات سباقة في المنطقة نحو التحديث الحضري.

في عام 1919، تأسست أول دائرة للبلدية في البحرين والخليج ممثلة ببلدية المنامة، مما يبرهن على رؤيته في إرساء أسس الإدارة المحلية الحديثة وتقديم الخدمات للمواطنين.

3. التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية

شهدت فترة حكمه، وتحديداً في عام 1910، تأسيس أول مجلس للتجار يتمثل فيه تجار السوق من مختلف الجنسيات، مما يعكس انفتاح البحرين التجاري ودعمها للنشاط الاقتصادي. كما تأسس أول مصرف تجاري في عام 1920 تحت اسم «البنك الشرقي»، وهي خطوة رائدة نحو تطوير القطاع المالي. ناهيك عن خطوة مهمة اتخذت في عهده لتحقيق العدالة ومنع الظلم والاستغلال وإنصاف فئة غواصي اللؤلؤ الذي كان عماد اقتصاد البحرين، وهي تأسيس محكمة لدعاوى الغوص وحساباته وفض منازعاته في عام 1894. هذه المحكمة كانت بمثابة حماية اجتماعية واقتصادية لفئة حيوية من المجتمع البحريني.

4. الأمن والنظام العام

تنبه الشيخ عيسى الكبير إلى أهمية الأمن كشرط من شروط التنمية وازدهار الأوطان، فأمر بتشكيل مجموعات «الفداوية» التي عُهدتْ إليها مهمات الحراسة والحماية وتوفير الأمن والاستقرار في ربوع البلاد. ثم تحولت تلك المجموعات إلى «النواطير»، فكانت نواة شرطة البحرين التي صدر قانون في 20 يوليو 1920 بتأسيسها على أن تتبع المجلس البلدي. هذه الخطوات وضعت أسس جهاز أمني منظم يحفظ النظام ويحمي الأرواح والممتلكات.

5. الريادة في الرعاية الصحية

استأثرت المرافق الطبية والشؤون الصحية بالاهتمام والرعاية الأسمى من لدنه، بدليل أنه تأسس في عهده أول محجر صحي بمنطقة القضيبية للحد من انتشار الأوبئة في عام 1889، وأول عيادة في المنامة في سنة 1892، وأول مستشفى حديث في البحرين وسائر منطقة الخليج (مستشفى مايسون التذكاري) سنة 1903، وتلاه افتتاح مستشفى الملكة فيكتوريا التذكاري في عام 1906. لقد كانت هذه المؤسسات الطبية سباقة على مستوى المنطقة، مما جعل البحرين مركزاً للرعاية الصحية.

وقد تجلى حرصه على صحة مواطنيه في قراره باستقدام الطبيب الهندي «إيه. إس. بندركار» لمعالجة البحارة والغاصة أثناء عملهم في البحر ومغاصات اللؤلؤ (الهيرات)، وذلك في أعقاب الخسائر التي لحقت بهم في كارثة سنة الطبعة 1925. وصف الطبيب بندركار الشيخ عيسى الكبير في مذكراته بالجود والكرم والشهامة ورجاحة العقل، وأخبرنا أنه كان يتردد على مجلسه ويستمتع بالحديث معه. وفي دليل على كرمه، نراه يولي الاهتمام أيضاً بصحة غير البحرينيين من حكام ورعايا الدول المجاورة، فلا يبخل عليهم بالاستفادة من الخدمات الطبية المتوفرة في البحرين، بل ويوفد إليهم الأطباء لمعالجتهم من الأوبئة والأمراض المنتشرة.

6. النهضة التعليمية والثقافية

بقدر ما أولى الاهتمام بالشؤون الصحية، فقد أولى اهتماماً مماثلاً بالتعليم، يشهد على ذلك سماحه للإرسالية الأمريكية بافتتاح أول مدرسة لتعليم البنات في البحرين والخليج وذلك في عام 1899، وأول مدرسة لتعليم البنين في عام 1902، وسماحه للجالية الإيرانية في عام 1913 بافتتاح مدرستها الخاصة في المنامة تحت اسم «مدرسة الإصلاح المباركة». أما الدليل الآخر على ازدهار التعليم في عهده، فهو افتتاح أول مدرسة نظامية لتعليم البنين وأول مدرسة نظامية لتعليم البنات بمدينة المحرق، وهما مدرستا «الهداية الخليفية» و«خديجة الكبرى» في عامي 1919 و 1928 على التوالي، قبل أن يتوالى افتتاح مدارس أخرى مثل؛ أول مدرسة ابتدائية للبنين في المنامة سنة 1921 تحت اسم «مدرسة الهداية الخليفية»، و«المدرسة المباركة العلوية» بمنطقة الخميس في عام 1926، و«المدرسة الجعفرية» بالمنامة في عام 1928.

تحولت البحرين آنذاك إلى كعبة للعلم ومركز للثقافة، يفد إليها طلبة العلم ومحبو الثقافة من عمان وإمارات الساحل والأحساء والقطيف والكويت، خصوصاً مع تأسيس الأندية الثقافية والأدبية (مثل النادي الإسلامي في 1910، ونادي إقبال أوال في 1913، والنادي الأدبي في 1920). وظهور المكتبات التجارية مثل «مكتبة التاجر» بالمنامة في 1920، و«المكتبة الكمالية» بالمنامة في 1921، و«المكتبة الوطنية» بالمحرق في 1929، في عهده. وتذكر صفحات التاريخ، أن أول اتصال ثقافي بين البحرين ومصر كان في عهده أيضاً، وذلك حينما تمّ إرسال وفد ثقافي برئاسة الشاعرين عبدالله بن علي الزايد وخالد بن محمد الفرج في عام 1927 إلى القاهرة للمشاركة في حفل تنصيب أحمد شوقي أميراً للشعراء، حيث قدما له هدية بالمناسبة كانت عبارة عن نخلة جذعها وسعفها من الذهب الخالص، وبلحها من أجود أنواع اللؤلؤ البحريني الطبيعي.

ومما يشهد ويبرهن على إدراكه لأهمية العلم والتخصص في حياة الأوطان والأمم، أن أول بعثة دراسية أرسلتها البحرين إلى الخارج كانت في عهده وتحديداً إلى الجامعة الأمريكية ببيروت في سنة 1928، مما يدل على رؤيته المستقبلية في بناء الكفاءات الوطنية.

النفط وبدايات النهضة الاقتصادية الحديثة

ولعل أكثر الأحداث التي ميزت عهد عيسى الكبير، هو تدفق النفط بكميات تجارية من أرض البحرين في عام 1932، لتصبح البحرين أولى دول الخليج العربية لجهة إنتاج وتصدير الخام، واستخدام مداخيله وإيراداته في التنمية. على الرغم من أن هذا الاكتشاف جاء في نهاية عهده، إلا أنه وضع حجر الأساس لتحولات اقتصادية كبرى ستشهدها البحرين في العقود التالية، مستفيدة من البنية التحتية والإدارية التي أرساها الشيخ عيسى الكبير.

لقد وصف الرحالة الأمريكي من أصول لبنانية أمين الريحاني، الذي زار البحرين في عام 1922، وهو في طريقه إلى الأحساء لمقابلة الملك عبدالعزيز آل سعود – طيب الله ثراه – بعض المظاهر العمرانية والتجارية والخدمية التي وقعت عليها عيناه في المنامة في عهد عيسى الكبير، فيقول مندهشاً: «يوجد بها عمران، وقصور، وبيوتات تجارية، ونظام، وإدارات، ودواوين، وكتبة، ومحاسبون، ومراسلات، وبريد، ومراكب شراعية تشق المياه الزرقاء، وشواطئ، وأسواق، ومقاهٍ، وحركة تجارية، ومخازن تعج بمختلف صنوف البضائع من مأكولات ومشروبات وملبوسات وأدوات للزينة والترف من تلك التي لا تتوفر إلا في المدن الكبيرة مثل بمباي والقاهرة».

وفي مكان آخر من الجزء الثاني من كتابه الأثير «ملوك العرب»، وفي سياق المدهشات التي رآها الريحاني في البحرين آنذاك كتب: «في هذه الجزيرة نهضة أدبية اجتماعية مباركة، وعدد ليس بقليل من الأدباء والشعراء، وذكاء ليس بضئيل. إن فيها نهضة تقارن أخواتها في الكويت وفي العراق، وتقارن روحاً وطموحاً على الأقل أخواتها في سوريا ومصر. فهذا ناديها الأدبي وفيه من المجلات العربية أكثرها وأحسنها، وهذه غرف القراءة وفيها من الكتب الحديثة والقديمة أنفسها، وهذه المدرسة الابتدائية وفيها يُعلم بعض العلوم التي لا تزال تُعد من بواعث الكفر والضلال، وفيها من المعلمين المصري والعراقي والنجدي».

إرث خالد وتأثير مستمر: عام عيسى الكبير كرمز للمستقبل

إن الإعلان عن «عام عيسى الكبير» في 2026 ليس مجرد احتفاء بذكرى قائد تاريخي، بل هو تأكيد على استمرارية إرثه وتأثيره العميق على البحرين المعاصرة. لقد كانت رؤيته الثاقبة في بناء المؤسسات، وتوفير العدالة، ودعم التعليم والصحة، حجر الزاوية في صياغة الهوية الوطنية البحرينية. إنجازاته لم تكن مجرد إصلاحات وقتية، بل كانت أسساً متينة قامت عليها الدولة الحديثة، مما مكن البحرين من التكيف مع التحديات الإقليمية والدولية المتغيرة والحفاظ على مكانتها كمركز حضاري واقتصادي.

يُعد هذا التكريم بمثابة تذكير للأجيال الحالية والمستقبلية بأهمية الحفاظ على المكتسبات الوطنية، والعمل بروح الوحدة والتفاني التي جسدها الشيخ عيسى الكبير. إنه دعوة لاستلهام حكمته في مواجهة التحديات المعاصرة، ومواصلة مسيرة التنمية والازدهار التي بدأها، مع التأكيد على أن قوة البحرين تكمن في تمسكها بتاريخها العريق وقيمها الأصيلة. إن تأثيره لا يزال ملموساً في كل جانب من جوانب الحياة البحرينية، من نظامها القضائي إلى مؤسساتها التعليمية والصحية، مما يجعله بحق مهندس الدولة الحديثة.

نهاية عهد وبداية إرث

في التاسع من ديسمبر سنة 1932، أسلم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الروح لبارئها منتقلاً إلى جوار ربه. فصُلي عليه ودفن بمقبرة المحرق، ثم نقل رفاته لاحقاً إلى مقبرة الرفاع بالرفاع الغربي. لينتهي بذلك عهد حاكم خوطب في الوثائق والمضابط بالملك العظيم بسبب حنكته، وقائد فطن ترك إرثاً راسخاً جعل من البحرين دولة مستقرة وقبلة للعلم والثقافة. وبدأ عهد خليفته وولي عهده الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة (1872 ــ 1942)، الذي سار على درب والده، مكملاً ما بدأه – رحمه الله وطيب ثراه – ومستنداً في ذلك على عضيديه وأخويه الشيخين محمد بن عيسى بن علي آل خليفه وعبدالله بن عيسى بن علي آل خليفة – رحمهما الله -.

ونختتم بهذه الأبيات التي نظمها الشاعر فراج الجبلي المطيري في عام 1910 من قصيدة طويلة مدح فيها الشيخ عيسى الكبير، وأشاد من خلالها بكرمه ونصرته للمحتاجين:

شيخ نشا بالطيب نفس أبية
شيخ بلا شك على الطايل ينوش
كم واحد جاله على الباب نيه
ينصاه لمن زار وقت له وشوش
يشفي عليل النفس لا زاد كيه
ويسقي غليل للسمو دايم يروش
له عادة ما هيب عادة خويه
يشبع من الجوعان لو خبزه قروش.
    
spot_imgspot_img