في تطور يعكس التوترات المتصاعدة في المشهد السياسي الفنزويلي، أعلنت رئيسة فنزويلا المؤقتة، ديلسي رودريجيز، عن رفضها القاطع للتدخلات الأمريكية في الشؤون الداخلية لبلادها. بكلمات حازمة، عبرت رودريجيز عن امتعاضها الشديد من سياسات واشنطن، قائلةً: «كفى يا أمريكا.. سئمنا أوامركم». جاءت هذه التصريحات النارية خلال فعالية حاشدة لعمال النفط في مدينة بويرتو لا كروز، حيث أكدت على ضرورة احترام السيادة الفنزويلية وترك السياسيين الفنزويليين يحلون خلافاتهم ونزاعاتهم الداخلية دون إملاءات خارجية. وأشارت رودريجيز إلى أن فنزويلا قد دفعت «ثمناً باهظاً» لمواجهة تبعات ما وصفته بـ«الفاشية والتطرف» في البلاد، في إشارة واضحة إلى الصراعات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالجمهورية.
سياق تاريخي من التوتر والضغط
تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي طويل من العلاقات المتوترة بين فنزويلا والولايات المتحدة، والتي شهدت تقلبات عديدة على مدى عقود. لطالما كانت فنزويلا، بفضل احتياطياتها النفطية الهائلة، محط أنظار القوى العالمية، مما جعلها عرضة للتدخلات الخارجية. منذ صعود الحركة البوليفارية بقيادة الرئيس الراحل هوجو تشافيز في أواخر التسعينيات، اتخذت فنزويلا مساراً اشتراكياً معادياً للهيمنة الأمريكية، مما أدى إلى فرض عقوبات اقتصادية متتالية من واشنطن. هذه العقوبات، التي استهدفت قطاع النفط الحيوي، فاقمت الأزمات الاقتصادية والإنسانية في البلاد، وساهمت في تعميق الانقسام السياسي الداخلي. ورغم أن الولايات المتحدة دعمت ديلسي رودريجيز لتولي زمام الأمور مؤقتاً بعد اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو، إلا أن التوتر الكامن بين البلدين لم يختفِ، بل يبدو أنه يتصاعد مع كل مطالبة أمريكية جديدة.
موقف دقيق وضغوط متواصلة
تجد رودريجيز نفسها في موقف دقيق ومعقد للغاية. فمن جهة، تسعى جاهدة للحفاظ على ولاء جناح مادورو في الداخل، الذي لا يزال يمتلك نفوذاً كبيراً بين القواعد الشعبية والمؤسسات الحكومية. ومن جهة أخرى، تحاول ضمان رضا البيت الأبيض، الذي يمارس ضغوطاً متواصلة عليها. هذه الضغوط تصاعدت بشكل ملحوظ بعد اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول شرعية هذا الإجراء وتداعياته على السيادة الفنزويلية. الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي كان قد زعم أن الولايات المتحدة «ستُدير» فنزويلا فور القبض على مادورو، دعم رودريجيز كزعيمة مؤقتة، لكن هذا الدعم جاء مصحوباً بسلسلة من المطالب الصارمة.
مطالب واشنطن وتأثيرها الجيوسياسي
بعد أيام قليلة من الضربات الأمريكية على كاراكاس في أوائل يناير، حددت إدارة ترامب عدداً من الشروط التي يجب على فنزويلا الموافقة عليها. تضمنت هذه المطالب قطع العلاقات مع قوى إقليمية ودولية مثل الصين وإيران وروسيا وكوبا، والموافقة على الشراكة حصرياً مع الولايات المتحدة في إنتاج النفط. هذه المطالب لا تمثل مجرد شروط اقتصادية، بل هي محاولة لإعادة تشكيل السياسة الخارجية الفنزويلية بالكامل، ودمجها ضمن الفلك الأمريكي. بالنسبة لواشنطن، فإن تأمين مصدر مستقر للسلطة في كاراكاس، يتماشى مع مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، أصبح أولوية قصوى بعد ربع قرن من المواجهة مع الحكومة الاشتراكية الغنية بالنفط.
انقسام داخلي ومستقبل غامض
على الصعيد الداخلي، لا تزال البلاد منقسمة بشكل عميق، مما يزيد من تعقيد مهمة رودريجيز. فنزويلا تشهد انقساماً حاداً بين الموالين لمادورو، والمعارضة اليسارية التي ترفض سياساته، بالإضافة إلى «التشافيين الرافضين لمادورو»، وهم أنصار الرئيس الراحل هوجو تشافيز الذين يتهمون مادورو بـ«خيانة» المُثل الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين. هذا الانقسام يهدد أي محاولة لتحقيق الاستقرار السياسي ويجعل من الصعب على أي قيادة مؤقتة أن تحظى بإجماع وطني حقيقي. إن مستقبل فنزويلا، في ظل هذه الضغوط الداخلية والخارجية، يبدو محفوفاً بالتحديات، حيث تتصارع قوى مختلفة على تحديد مسار هذه الأمة الغنية بالموارد، والتي تسعى جاهدة للحفاظ على سيادتها في وجه التدخلات الأجنبية.


