
في تحول لافت يهدد أحد أقدم التقاليد الاجتماعية وأكثرها رسوخًا، لم يعد الذهب رمزًا للفرح والازدهار وبداية الاستقرار الأسري فحسب، بل تحول اليوم إلى عبء اقتصادي ثقيل يلقي بظلاله على كاهل العرسان والمقبلين على الزواج. فقد شهدت أسعار الذهب العالمية والمحلية قفزات غير مسبوقة، وصفتها الأسواق بـ«الفلكية»، لتفتح بذلك فصلاً جديدًا من القلق والتحديات أمام مئات الآلاف من الشباب الذين يخططون لبناء أسرهم خلال الأيام والمرحلة المقبلة.
لطالما كان الذهب جزءًا لا يتجزأ من مراسم الزواج في العديد من الثقافات حول العالم، وخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية. فـ«الشبكة»، أو المهر الذهبي، ليست مجرد هدية، بل هي رمز للمكانة الاجتماعية، وضمانة للمستقبل، وتعبير عن التقدير والاحترام المتبادل بين العائلتين. تاريخيًا، كانت قيمة الذهب تعكس قدرة العريس على توفير الأمان المالي لزوجته المستقبلية، وكانت المشغولات الذهبية تُعد استثمارًا يمكن اللجوء إليه في أوقات الشدة. هذه الأهمية المتجذرة جعلت من الذهب عنصرًا لا يمكن تجاوزه اجتماعيًا، مهما اختلفت الظروف الاقتصادية، مما يفسر حجم الصدمة التي يواجهها المجتمع اليوم.
ومع تسجيل الذهب، عصر أمس (الأربعاء)، ارتفاعًا تاريخيًا وصولاً إلى 5,260 دولارًا للأونصة، وهو ما يعادل نحو 632 ريالًا سعوديًا لغرام الذهب عيار 24، ومع كل ارتفاع جديد في سعر الغرام، تتسع دائرة المتأثرين. يقف العرسان تحديدًا في واجهة المشهد، باعتبار الذهب عنصرًا أساسيًا في مراسم الزواج، وهدية لا يمكن تجاوزها اجتماعيًا. فـ«الشبكة» وما يتبعها من أطقم ومشغولات لم تعد مجرد تقليد، بل التزام اجتماعي يُقاس أحيانًا بقيمته المادية لا بمعناه الرمزي.
يرتبط هذا الصعود الحاد في أسعار الذهب بعوامل عالمية معقدة ومتشابكة. فالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في مناطق مختلفة من العالم، وعدم اليقين الاقتصادي العالمي، وتراجع قيمة بعض العملات الرئيسية، تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، ويأتي الذهب في مقدمتها. كما أن سياسات البنوك المركزية العالمية، مثل التيسير الكمي أو رفع أسعار الفائدة، تؤثر بشكل مباشر على جاذبية الذهب كاستثمار. هذه العوامل مجتمعة تخلق طلبًا متزايدًا على المعدن الأصفر، مما ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية، ويكون المتضرر الأكبر هو المشتري البسيط، خصوصًا العريس الذي يستعد لبناء أسرة.
تتضاعف ميزانيات الزواج بشكل غير متوقع، حيث يقول أحد العرسان إن ما كان يخطط لشرائه من ذهب أصبح اليوم خارج الحسابات تمامًا. بينما يؤكد آخر أنه اضطر لتقليص الكمية إلى النصف، مع الإبقاء على الشكل الاجتماعي المقبول، حتى لا يتحول الفرح إلى أزمة مالية مبكرة. اللافت أن هذا الارتفاع لم ينعكس فقط على قرارات الشراء، بل غيّر سلوك السوق بالكامل؛ فمحلات الذهب تشهد حركة حذرة، واستفسارات أكثر بكثير من عمليات الشراء الفعلية، في وقت باتت فيه المقارنة بين الأسعار اليومية حديث العرسان الأول قبل اختيار الخاتم أو الطقم.
البحث عن الوزن الخفيف أصبح هو الشغل الشاغل. يقول عدد من العاملين في مجال الذهب إن العرسان باتوا يبحثون عن المشغولات ذات الأوزان الخفيفة، إذ إن غرام الذهب عيار 18 تجاوز 550 ريالًا شاملاً المصنعية والمكسب والضريبة. وتجسد قصة العروس «مرام» هذه المعضلة بوضوح، حيث كانت تتوقع أن تشتري «بناجر» وطقم ذهب وخاتمًا وأسورة في حدود 10 آلاف ريال من مهرها البالغ 30 ألف ريال، لكنها فوجئت أن 10 آلاف ريال لا تكفي إلا لقيمة بنجرتين فقط، لتضطر أن يكون نصف مهرها لشراء أقل ما يمكن وزنه من الذهب، في تنازل مؤلم عن أحلامها.
في المقابل، بدأت تظهر حلول بديلة فرضها الواقع الاقتصادي الجديد. يتجه البعض نحو الذهب الخفيف، أو استبدال بعض الهدايا بالمجوهرات ذات الوزن الأقل، بل إن بعض الأسر باتت تتقبل الفضة أو الهدايا الرمزية خيارًا مؤقتًا، في محاولة لمواءمة التقاليد مع القدرة المالية. يرى مختصون أن استمرار هذا الارتفاع قد يفرض تغييرًا حقيقيًا في ثقافة الزواج، معتبرين أن المبالغة في المهور والهدايا لم تعد منطقية في ظل هذه الأسعار، وأن التفاهم والمرونة بين الطرفين أصبحا ضرورة لا رفاهية، لضمان استمرارية الفرحة دون إثقال كاهل الشباب بالديون.
إن تأثير ارتفاع أسعار الذهب يتجاوز الجانب المالي ليشمل الجانب الاجتماعي والنفسي، حيث يمكن أن يؤدي إلى تأخير الزيجات أو حتى إلغائها، مما يترك آثارًا سلبية على النسيج الاجتماعي. على المدى الطويل، قد نشهد تحولًا في الأعراف والتقاليد، حيث تصبح القيمة المعنوية والرمزية للهدية أهم من قيمتها المادية البحتة. وبين بريق الذهب وضغط الواقع، يقف العرسان اليوم أمام معادلة صعبة: الحفاظ على فرحة الزواج من جهة، وتجنب الغرق في الديون من جهة أخرى. فمع كل رقم جديد يسجله الذهب، يتأكد أن التحدي في المرحلة المقبلة لن يكون اختيار خاتم الزواج، بل القدرة على شرائه دون أن يتحول الحلم إلى عبء طويل الأمد.


