في تطور لافت يعكس استراتيجية واشنطن المزدوجة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الخميس، عن عزمه إجراء محادثات مع إيران، مؤكداً أن قنوات النقاش لا تزال مفتوحة. يأتي هذا الإعلان في خضم تصاعد غير مسبوق في لهجته التهديدية، حيث لم يستبعد اللجوء إلى عمل عسكري ضد طهران، في معادلة تجمع بين الدبلوماسية والردع الصارم.
ورداً على سؤال حول مسار الاتصالات مع إيران، خاصة بعد تهديده الأخير بشن «ضربة كبيرة» في حال رفضت طهران التوصل إلى اتفاق، صرح ترمب: «أجريتُ محادثات، وما زلت أخطط لمزيد منها».
سياق تاريخي متوتر: من الثورة إلى الضغط الأقصى
إن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن مستقرة منذ عقود، وتحديداً منذ الثورة الإسلامية عام 1979. لطالما كان البرنامج النووي الإيراني نقطة محورية للتوتر، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية صارمة. في عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA)، الذي هدف إلى كبح طموحات إيران النووية مقابل تخفيف العقوبات. إلا أن قرار الرئيس ترمب في عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق وإعادة فرض حملة «الضغط الأقصى» من العقوبات، أدى إلى تصعيد دراماتيكي للتوترات، وشهدت المنطقة سلسلة من الحوادث، بما في ذلك هجمات على ناقلات النفط وحوادث الطائرات المسيرة. لقد كان هذا الانسحاب لحظة محورية، حيث فكك سنوات من الجهود الدبلوماسية ومهد الطريق للمواجهة الحالية.
رسالة ردع وتحركات بحرية أمريكية
في إشارة واضحة إلى التصعيد العسكري المحتمل، كشف ترمب عن تحركات بحرية أمريكية باتجاه المنطقة، قائلاً: «لدينا العديد من السفن الكبيرة والقوية جدًا تبحر الآن نحو إيران، وسيكون من الرائع ألا نضطر لاستخدامها». لم يوضح الرئيس الأمريكي طبيعة هذه المحادثات أو الأطراف التي شاركته فيها، كما لم يصدر البيت الأبيض تفاصيل إضافية بشأن هوية المفاوضين المحتملين من الجانب الأمريكي، مما يترك الباب مفتوحاً للتكهنات حول طبيعة هذه القنوات الخلفية.
شروط واشنطن: النووي والاحتجاجات وحقوق الإنسان
ووصف ترمب مضمون الرسالة التي نقلها إلى طهران بأنها مباشرة وحازمة، مؤكداً أنه شدد على نقطتين أساسيتين لا تقبلان المساومة: «أولًا، لا للأسلحة النووية. وثانيًا، أوقفوا قتل المتظاهرين». وأضاف أن السلطات الإيرانية، بحسب تعبيره، أعدمت المئات خلال فترة وجيزة، مشيرًا إلى شنق 837 شخصًا قبل أسبوعين فقط، ومطالباً النظام باتخاذ خطوات فورية. هذه الشروط تعكس قلق واشنطن ليس فقط من التهديد النووي، بل أيضاً من سجل إيران في مجال حقوق الإنسان وقمع المعارضة الداخلية.
تحرك دبلوماسي تركي ومخاوف إقليمية
بالتوازي مع هذه التطورات، توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الجمعة، إلى تركيا، في خطوة تأتي بعد إعلان أنقرة سعيها لفتح قنوات دبلوماسية تهدف إلى خفض التوتر واحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران. تعكس هذه التحركات الدبلوماسية القلق الإقليمي والدولي المتزايد من تداعيات أي مواجهة عسكرية محتملة، والتي قد تزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
خيارات مفتوحة وضربة لم تُحسم بعد
تزامنت تصريحات ترمب مع تأكيد مسؤولين أمريكيين أن الرئيس يدرس عدة سيناريوهات للتعامل مع إيران، دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن بشأن توجيه ضربة عسكرية. وكان التوتر قد تصاعد بشكل حاد عقب ما وصفته وكالة «رويترز» بـ«حملة قمع دموية» شنتها السلطات الإيرانية ضد احتجاجات واسعة اندلعت في مختلف أنحاء البلاد خلال الأسابيع الماضية.
النووي على خط النار: تهديد دائم
وكرر ترمب تهديده بالتدخل العسكري في حال واصلت طهران استهداف المتظاهرين أو أعادت تفعيل برنامجها النووي، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من استئناف طهران لبرنامجها النووي، وتاريخ المنطقة الحافل بالتوترات التي شهدت استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني في أوقات سابقة. ورغم تراجع وتيرة الاحتجاجات الاقتصادية خلال الأسبوعين الأخيرين، فإن الملف الإيراني لا يزال يشكل مصدر قلق متصاعد لواشنطن وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج.
استراتيجية «الرد غير المتماثل» وتأثيرها العالمي
يرى خبراء عسكريون أن إيران تستعد منذ ما يقرب من نصف قرن لاحتمال مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. ولتعويض فجوة التفوق العسكري الأمريكي، ركزت طهران على أدوات «غير متماثلة» تهدف إلى رفع كلفة أي حرب محتملة، بما قد يزعزع استقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. تشمل هذه الأدوات دعم الوكلاء الإقليميين، تطوير الصواريخ الباليستية، والقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحنات النفط العالمية. إن أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط، مما يؤثر على الاقتصاد العالمي بأكمله.
مخاوف من توسع رقعة الصراع وتداعياته
مع وصول مجموعة حاملة طائرات أمريكية إلى الشرق الأوسط، وتحذيرات ترمب المتكررة، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الحرب. وعلى الرغم من تعرض النظام الإيراني، وفق تقديرات الخبراء، لإضعاف كبير نتيجة الضربات العسكرية والاضطرابات الداخلية الأخيرة، إلا أنه لا يزال يمتلك خيارات متعددة للرد، تشمل استهداف مصالح أمريكية وإسرائيلية، إضافة إلى استخدام أوراق اقتصادية قد تُطلق موجات اضطراب عالمية. إن تداعيات أي صراع واسع النطاق لن تقتصر على الخسائر البشرية والمادية في المنطقة، بل ستمتد لتشمل زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي على مستوى العالم.
حرب وجود أم مناورة ضغط؟
ويؤكد فرزين نديمي، الباحث في معهد واشنطن والمتخصص في الشؤون العسكرية الإيرانية، أن طبيعة الرد الإيراني ستتوقف على مستوى التهديد الذي تشعر به طهران، قائلاً: «النظام يمتلك الكثير من القدرات إذا رأى أن ما يواجهه حرب وجودية… وإذا اعتبرها معركة نهائية، فقد يستخدم كل ما لديه». هذا التصريح يسلط الضوء على الخطورة البالغة للوضع، حيث تتأرجح المنطقة بين حافة الهاوية الدبلوماسية والعسكرية، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من محادثات أو تصعيد.


