spot_img

ذات صلة

الإفصاح الطوعي الجمركي في السعودية: إلغاء الغرامات وتسهيل الامتثال

صورة توضيحية لقرار الإفصاح الطوعي الجمركي

في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز الشفافية وتسهيل بيئة الأعمال، أقرت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك (ZATCA) ضوابط جديدة للإفصاح الطوعي عن المخالفات الجمركية. يهدف هذا القرار الاستراتيجي إلى تحفيز المكلفين على تصحيح أوضاعهم الجمركية طوعاً قبل اكتشاف المخالفات، وذلك بما ينسجم مع نظام الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

تُعد هذه المبادرة جزءاً لا يتجزأ من الجهود العالمية والمحلية الرامية إلى تحديث الأنظمة الجمركية، حيث تسعى الهيئات الجمركية حول العالم، ومنها منظمة الجمارك العالمية (WCO)، إلى تبني آليات تعزز الامتثال الطوعي وتخفض من الأعباء الإدارية والنزاعات. لطالما كانت الجمارك خط الدفاع الأول للاقتصادات الوطنية، ليس فقط في تحصيل الإيرادات وحماية الأمن، بل أيضاً في تسهيل حركة التجارة الدولية. ومع التطور المتسارع في سلاسل الإمداد العالمية، أصبحت الحاجة ماسة لأنظمة مرنة وشفافة تشجع على الامتثال بدلاً من التركيز فقط على العقوبات.

يستهدف القرار الجديد تقليل النزاعات الجمركية بشكل كبير، ويوفر فرصة نظامية غير مسبوقة للمكلفين للإفصاح عن الأخطاء والتجاوزات التي قد تكون وقعت في البيانات أو الإقرارات الجمركية. الأهم من ذلك، أن هذه الفرصة تأتي مقابل التجاوز الكلي عن الغرامات المالية المترتبة على هذه المخالفات، شريطة أن يتم الإفصاح قبل اكتشاف الهيئة لهذه المخالفات.

وشملت ضوابط الإفصاح الطوعي مجموعة واسعة من المخالفات الجمركية المرتبطة بالبيانات والإقرارات الجمركية. تتضمن هذه المخالفات الأخطاء في تصنيف البضائع، أو تقدير قيمتها، أو تحديد بلد المنشأ، أو أي بيانات أخرى غير دقيقة قد يترتب عليها فروقات في الرسوم الجمركية المستحقة أو التزامات مالية أخرى. ويُعد الشرط الأساسي للاستفادة من هذا الإعفاء هو ألا تكون المخالفة قد اكتُشفت من قبل الهيئة مسبقاً، مما يؤكد على مبدأ المبادرة الذاتية في التصحيح.

ومع ذلك، استثنت الهيئة من نطاق الإفصاح الطوعي حالات التهريب الجمركي وما في حكمه، نظراً لخطورتها وتأثيرها المباشر على الأمن الاقتصادي والوطني. كما استُثنيت المخالفات التي باشرت الهيئة حيالها إجراءات نظامية، بما في ذلك التفتيش أو الضبط أو التحقيق، قبل تقديم طلب الإفصاح، وذلك لضمان عدم استغلال هذه الفرصة للتهرب من المساءلة بعد بدء الإجراءات القانونية.

ولضمان فعالية البرنامج، اشترطت الهيئة لقبول الإفصاح الطوعي أن يتقدم المكلف بالطلب فور اكتشاف الخطأ أو المخالفة. يجب أن يكون الطلب مستوفياً لجميع المعلومات اللازمة، بما يشمل بيانات البيان الجمركي، ووصف المخالفة وطبيعتها بدقة، والفروقات المالية المترتبة، مع إرفاق المستندات المؤيدة وأي معلومات إضافية تطلبها الهيئة لتقييم الحالة. هذا يضمن الشفافية والوضوح في عملية الإفصاح.

ووفقاً للضوابط الجديدة، يُلزم المكلف بسداد كامل الرسوم الجمركية والفروقات المالية الناتجة عن المخالفات محل الإفصاح خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ إشعار الهيئة بالمطالبة المالية. ويُشدد على أن التجاوز يقتصر على الغرامات المالية فقط، دون المساس بالرسوم الجمركية المستحقة أصلاً للدولة، مما يحافظ على حقوق الخزينة العامة.

تأثيرات إيجابية متعددة: تعزيز الامتثال ودعم رؤية 2030

يُتوقع أن يكون لهذا القرار تأثيرات إيجابية واسعة النطاق على الاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال. محلياً، يدعم هذا التوجه أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الشفافية والحوكمة. فمن خلال تقليل المخاطر القانونية والمالية على الشركات، ستزداد جاذبية المملكة للاستثمارات المحلية والأجنبية، مما يسهم في نمو القطاع الخاص وخلق فرص عمل. كما أنه يعزز الثقة بين المكلفين والهيئة، ويشجع على بناء علاقة قائمة على الامتثال بدلاً من المواجهة.

إقليمياً، يعزز هذا القرار مكانة المملكة كلاعب رئيسي في التجارة الإقليمية، ويساهم في توحيد الممارسات الجمركية ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، مما يدعم التكامل الاقتصادي. دولياً، تتماشى هذه المبادرة مع أفضل الممارسات العالمية التي تروج لها منظمات مثل منظمة التجارة العالمية (WTO) ومنظمة الجمارك العالمية (WCO) في مجال تسهيل التجارة وتعزيز الامتثال الطوعي، مما يعكس التزام المملكة بالمعايير الدولية ويحسن من تصنيفها في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال.

القرار خلال 30 يوماً: آلية عمل مبسطة

أكدت الهيئة أن عملية تقديم طلب الإفصاح الطوعي ستكون سهلة وميسرة، حيث يتم إلكترونياً عبر موقع هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، من خلال النموذج المعتمد، مع إرفاق جميع المستندات المطلوبة. وتلتزم الهيئة بدراسة الطلبات المكتملة وإصدار قرارها بشأنها خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ التقديم، مما يضمن سرعة الاستجابة ووضوح الإجراءات.

وبينت الهيئة أنه في حال تبين أن المخالفة محل الإفصاح تندرج ضمن حالات التهريب الجمركي، فسيتم التعامل معها وفق أحكام التسوية الصلحية المنصوص عليها نظاماً، لضمان تطبيق العدالة. كما سيتم التعامل مع أي مخالفات أخرى لم يشملها طلب الإفصاح بشكل مستقل وفقاً للأنظمة المعمول بها، مما يؤكد على شمولية النظام وصرامته في تطبيق القانون على جميع الحالات.

spot_imgspot_img