
في خطوة تؤكد على الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في تشكيل مستقبل الإعلام العالمي، افتتح معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام 2026م في الرياض. هذا الحدث البارز، الذي أقيم تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين وبشعار “الإعلام في عالم يتشكل”، جمع أكثر من 300 قائد وخبير إعلامي من أكثر من 20 دولة، في أكثر من 150 جلسة حوارية متخصصة، بالإضافة إلى معرض مستقبل الإعلام (فومكس) الذي استضاف أكثر من 250 شركة محلية وعالمية.
الأمير محمد بن سلمان: قائد التأثير العالمي ورسالة القيم
خلال كلمته الافتتاحية، سلط معالي الوزير سلمان الدوسري الضوء على مصدر فخر كل سعودي وسعودية، وهو وصف صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بـ«قائد التأثير» عالمياً. وأكد الدوسري أن تأثير سموه يتجاوز الأبعاد السياسية التقليدية، ليمتد إلى كونه رسالة قيم عميقة، وثقة راسخة بالإنسان، وخدمة جليلة للإنسانية جمعاء. هذا التأثير يعكس وضوح الرؤية الطموحة للمملكة، والعمل الجاد والمثمر الذي أثمر عن إنجازات غير مسبوقة على كافة الأصعدة. وأشار الوزير إلى حقيقة جوهرية مفادها أن الموارد البشرية والطبيعية، مهما عظمت، لا يمكن أن تصنع أثراً بذاتها ما لم يوجهها قائد ملهم يمنحها المعنى ويصقلها لتحقيق أقصى إمكاناتها.
يأتي هذا التأكيد في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030 الطموحة، والتي تهدف إلى بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وفي هذا الإطار، يلعب الإعلام دوراً لا غنى عنه في نقل هذه الرؤية، وتعزيز الهوية الوطنية، والمساهمة في تشكيل الوعي العام، ليس فقط محلياً بل وعالمياً. إن قيادة سمو ولي العهد لمسيرة التنمية الشاملة قد وضعت المملكة في مصاف الدول الرائدة، وجعلت من الرياض مركزاً عالمياً للابتكار والتأثير في مختلف المجالات، بما في ذلك الإعلام.
الإعلام في قلب التحولات: تحديات “اقتصاد الانتباه”
أوضح الوزير الدوسري أن الإعلام يقف اليوم في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، ليصبح لاعباً أساسياً في تشكيل الوعي وصناعة التأثير. وشدد على أن تمكين القيادة الرشيدة لقطاع الإعلام قد منح الإعلاميين مساحة أوسع لصناعة الأثر الإيجابي وتعزيز دورهم التنموي في بناء المجتمع. ومع ذلك، لم يغفل الوزير الإشارة إلى التحديات العميقة التي يواجهها المشهد الإعلامي العالمي، خاصة في ظل ما وصفه بـ«اقتصاد الانتباه». في هذا الاقتصاد، تُكافئ الخوارزميات الإثارة والانتشار السريع على حساب القيمة الحقيقية وعمق الأثر، مما يثير تساؤلات حول مصير الإعلام عندما ينفصل عن القيم ويتحول الإنسان من غاية نبيلة إلى مجرد وسيلة للاستهلاك.
في مواجهة هذه التحديات، أكد الوزير أن الرؤية السعودية تنطلق من اعتبار القيم في الإعلام بنية أساسية تحكم السياسات وتوجّه القرارات، وليست مجرد خطاب تجميلي أو دعائي. بل هي إطار شامل ينظم العلاقة بين التقنية والإنسان، ويضمن أن يكون المحتوى الإعلامي أداة بناء للإدراك والمعرفة، لا مجرد سلعة للاستهلاك السريع. هذا التوجه يعكس التزام المملكة بحماية الأجيال في البيئة الرقمية، ليس بالمنع أو العزل، بل بتهيئة بيئات إعلامية واعية تسود فيها الأخلاق والقيم، وتُقدم فيها المعرفة بشكل مسؤول. الهدف الأسمى هو إعداد الأبناء للتفاعل مع العالم بثقة، مع الحفاظ على هويتهم وبوصلتهم القيمية.
رؤية 2030: تحول جذري في منظومة الإعلام
أشار الوزير الدوسري إلى أن ما تحقق في منظومة الإعلام السعودية خلال الأعوام الماضية لم يكن مجرد توسع في الأدوات أو استجابة ظرفية، بل كان تأسيساً لقراءة جديدة للإعلام تتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. لقد نقلت الرؤية القطاع من جهود متفرقة إلى بنية متكاملة، ومن تنظيم تقليدي إلى حوكمة مرنة توازن بدقة بين الحرية والمسؤولية، والانفتاح ورفع الوعي. هذا التحول الجذري يهدف إلى بناء قطاع إعلامي حديث ومستدام، قادر على المنافسة عالمياً، والمساهمة بفعالية في تحقيق أهداف التنمية الشاملة.
تتضمن هذه الرؤية الشاملة استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتشجيع الابتكار في صناعة المحتوى. كما تركز على تعزيز الشفافية والمصداقية، وتقديم محتوى إعلامي متنوع يخدم كافة شرائح المجتمع، ويعكس التنوع الثقافي للمملكة. إن هذا التوجه الاستراتيجي يضع الإعلام السعودي في طليعة التطورات العالمية، ويجعله شريكاً أساسياً في بناء مستقبل مشرق للمملكة.
مبادرات نوعية لتمكين مستقبل الإعلام
في إطار سعي المملكة لتعزيز مكانتها الإعلامية، أعلن وزير الإعلام عن إطلاق 12 مبادرة نوعية ضمن أعمال المنتدى، تهدف إلى تمكين الابتكار وتطوير الكفاءات وصناعة المحتوى الهادف. من أبرز هذه المبادرات:
- معسكر الابتكار الإعلامي: بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، يركز هذا المعسكر على مجالات حيوية مثل الصحافة المعززة، وصناعة المحتوى الذكي، والمذيع الافتراضي، مما يدفع بحدود الابتكار في القطاع.
- مبادرتي “تمكين” و”نمو”: لدعم الأفكار الريادية والشركات الناشئة في المجال الإعلامي، بالشراكة مع برنامج كفالة، بهدف تحويل الأفكار الواعدة إلى نماذج أعمال مستدامة تسهم في الاقتصاد الوطني.
- وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام: بالشراكة مع “سدايا”، لترسيخ الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة في الإعلام، وفتح المجال لمراحل متقدمة من التفعيل والتمكين الأخلاقي.
- برنامج “ابتعاث الإعلام”: بالشراكة مع وزارة التعليم، لإتاحة نحو 100 مقعد سنوياً لتأهيل المواهب الوطنية في أبرز الجامعات والمؤسسات الإعلامية عالمياً، مما يضمن رفد القطاع بكفاءات عالية التأهيل.
- توسع “سعوديبيديا”: في الترجمة إلى 5 لغات عالمية (الإنجليزية، الفرنسية، الصينية، الروسية، الألمانية)، متجاوزة 70 ألف مقالة توثق تاريخ السعودية وثقافتها ومنجزاتها ومستقبلها، لتكون منصة عالمية للتعريف بالمملكة.
- مبادرة “كنوز”: لإطلاق أكثر من 30 عملاً وثائقياً وسينمائياً بمواصفات إنتاجية عالمية ومشاركة مواهب وطنية، بهدف إبراز الهوية السعودية عالمياً وتعزيز الدبلوماسية الثقافية.
الإعلام كمحرك اقتصادي ومركز للدراسات
لم يغفل الوزير الدوسري الدور الاقتصادي المتنامي للإعلام، معلناً عن إصدار النسخة الثانية من تقرير حالة الإعلام وفرص الاستثمار عبر الهيئة العامة لتنظيم الإعلام. هذا التقرير سيكون مرجعاً تحليلياً قائماً على البيانات، مؤكداً أن الاستثمار الحقيقي تحركه البيانات الدقيقة لا مجرد التوقعات. كما أعلن عن تدشين مركز الدراسات الإعلامية واستطلاعات الرأي في وكالة الأنباء السعودية «واس»، ليكون مرجعاً موثوقاً في جمع وتحليل البيانات لدعم السياسات الإعلامية وصناعة القرار.
هذه الخطوات تؤكد على التزام المملكة ببناء قطاع إعلامي لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتعداه ليكون محركاً اقتصادياً فاعلاً، ومصدراً موثوقاً للمعلومات والتحليلات، مما يعزز من مكانة السعودية كمركز إقليمي وعالمي للتميز الإعلامي.
السعودية: وجهة عالمية لصناعة التأثير الرقمي
كشف وزير الإعلام عن استضافة أكثر من 2,000 صانع محتوى ومؤثر من أكثر من 90 دولة في النسخة الثانية من ملتقى «صنّاع التأثير – إمباك» في القدية. هذا الملتقى يعزز مكانة السعودية كوجهة عالمية رائدة لصناعة التأثير الرقمي، ويؤكد على قدرتها على جذب المواهب والخبرات العالمية. كما بارك معاليه مقدماً للفائزين بالجائزة السعودية للإعلام 2026 التي تضم 4 مسارات و16 فرعاً، بعد استقبال أكثر من 500 عمل مرشح من أكثر من 20 دولة، ونمو يتجاوز 200% في المشاركات الدولية، مما يعكس تزايد الاهتمام العالمي بالساحة الإعلامية السعودية.
الرياض: عاصمة التأثير ومستقبل الإعلام
في ختام كلمته، أشار الوزير الدوسري إلى أن كثافة الأحداث والمؤتمرات والفعاليات في السعودية تجعل من كل حدث رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان، وأن الرياض أصبحت بحق «عاصمة التأثير». وأكد أن الإعلام السعودي ينطلق من الإنسان ويمتد أثره إلى العالم، مرحباً بالمشاركين بوصفهم شركاء فاعلين في صناعة الأفكار والتأثير، ومؤكداً أن المنتدى صُمم ليكون منصة إلهام وتأثير في مستقبل الإعلام العالمي. هذه الرؤية الطموحة تؤسس لمرحلة جديدة من التميز الإعلامي، حيث تلتقي الأصالة بالمعاصرة، والقيم بالابتكار، لتصنع مستقبلاً إعلامياً يليق بمكانة المملكة ودورها الريادي.


