في تصريحات حازمة تعكس رؤية الحكومة اللبنانية لمستقبل البلاد، شدد رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، على أن الدولة لن تسمح بإدخال لبنان في أي مغامرة جديدة قد تهدد استقراره الهش. جاء ذلك خلال ندوة في القمة العالمية للحكومات في دبي، حيث أكد سلام أن لبنان، وللمرة الأولى منذ عام 1969، بات يفرض سيطرة كاملة على جنوب البلاد عبر الجيش اللبناني، وهو ما يمثل تحولاً محورياً في مسار السيادة الوطنية.
تكتسب تصريحات سلام أهمية بالغة في ظل السياق الإقليمي المتوتر، لا سيما بعد التداعيات الكبيرة للصراع في قطاع غزة على الحدود اللبنانية الجنوبية. وأوضح رئيس الوزراء أن “كلفة الدخول في حرب غزة كانت كبيرة جداً”، مؤكداً على ضرورة عدم إقحام البلاد في مغامرات لا ناقة لها فيها ولا جمل. هذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً للمخاطر التي تحدق بلبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، حيث أن أي تصعيد عسكري جديد من شأنه أن ينسف أي جهود للتعافي ويقوض آمال اللبنانيين في الاستقرار والأمان.
إن الإشارة إلى عام 1969 ليست مجرد تاريخ عابر، بل تحمل دلالات تاريخية عميقة تتعلق بالسيادة اللبنانية. ففي ذلك العام، تم توقيع “اتفاق القاهرة” الذي أضفى شرعية على الوجود المسلح الفلسطيني في لبنان، وخاصة في الجنوب، مما أثر بشكل كبير على سيطرة الدولة اللبنانية على أراضيها. ومنذ ذلك الحين، شهد الجنوب اللبناني تحديات متواصلة للسيادة، بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي المتكرر وتنامي نفوذ الفاعلين غير الحكوميين. لذا، فإن تأكيد سلام على بسط سيطرة الدولة الكاملة يمثل طموحاً وطنياً طال انتظاره، ويعكس جهوداً حثيثة لتعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وأكد سلام أن السيادة والإصلاح هما عاملان أساسيان لإنقاذ لبنان وإعادة الأمان للبنانيين. وأضاف أن الحكومة ملتزمة بمسيرة الإصلاح واستعادة سيادة لبنان، مشدداً على أن مفهوم السيادة سيمكن الدولة اللبنانية من بسط سيطرتها على كامل أراضيها. هذا الإصلاح الشامل، الذي يشمل الجوانب الاقتصادية والإدارية والمالية، ضروري لاستعادة الثقة الدولية في لبنان واقتصاده. فالمجتمع الدولي، بما في ذلك الأشقاء العرب، يربط الدعم المقدم للبنان بمدى التزامه بالإصلاحات الجادة والشفافية، وبقدرته على فرض سلطة القانون على جميع أراضيه دون استثناء. رسالة سلام واضحة: “كل ما نطلبه من الأشقاء العرب والعالم هو دعمنا لا أن يحلوا مكاننا”، وهي دعوة للشراكة لا للوصاية.
تأتي هذه التصريحات في أعقاب التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحزب الله في نوفمبر 2024، بوساطة أمريكية، بعد أكثر من عام من القصف المتبادل الذي أشعله الصراع في قطاع غزة. ورغم الاتفاق، لا تزال إسرائيل تسيطر على مواقع في جنوب لبنان وتواصل شن هجمات على شرق البلاد وجنوبها، مما يعقد المشهد الأمني. وينص اتفاق الهدنة على نزع الجيش اللبناني سلاح حزب الله بدءاً من المناطق المتاخمة لإسرائيل، وهو بند حيوي لترسيخ سيادة الدولة. وقد تبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك الهدنة، بينما واصلت إسرائيل غاراتها الجوية، مدعية استهداف محاولات حزب الله لإعادة بناء قدراته العسكرية. هذه التطورات تؤكد على دقة الوضع وحساسيته، وتبرز الحاجة الملحة لموقف لبناني موحد وقوي يرفض الانجرار إلى صراعات إقليمية.
إن رؤية رئيس الوزراء نواف سلام لمستقبل لبنان ترتكز على بناء دولة قوية ذات سيادة كاملة، قادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم بعيداً عن ويلات الحروب والمغامرات غير المحسوبة. هذه الرؤية لا تخدم المصالح اللبنانية فحسب، بل تساهم أيضاً في استقرار المنطقة ككل، وتفتح الباب أمام استعادة لبنان لدوره كمركز إقليمي للثقافة والاقتصاد، بعيداً عن كونه ساحة للصراعات بالوكالة.


