بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ودعت الساحة الثقافية العربية والسعودية اليوم قامة أدبية شامخة، الشاعرة الرائدة ثريا قابل، التي وافتها المنية إثر متاعب صحية لازمتها لسنوات عديدة. يمثل رحيل “خنساء القرن العشرين”، كما وصفها الأديب الكبير محمد حسن عواد، خسارة فادحة للحركة الشعرية والصحفية والفنية في المملكة والعالم العربي، تاركةً وراءها إرثًا غنيًا من الكلمات الخالدة والألحان العذبة التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الفنية والاجتماعية. لم تكن ثريا قابل مجرد شاعرة، بل كانت أيقونة ثقافية، وصوتًا جريئًا، ورائدة فتحت آفاقًا جديدة للمرأة السعودية في مجالات الأدب والإعلام والفن.
ثريا قابل: مسيرة حافلة بالإبداع والتحدي في قلب جدة
وُلدت الشاعرة ثريا قابل في بيت قابل العريق بحارة المظلوم التاريخية في قلب مدينة جدة، تلك المدينة الساحرة التي عشقتها وصدحت بجمالها وتفاصيلها الأصيلة في قصائدها وأغانيها. جدة، بكونها بوابة الحرمين الشريفين ومركزًا تجاريًا وثقافيًا عريقًا، كانت دائمًا بوتقة تنصهر فيها الثقافات وتتلاقح الأفكار، وهو ما أثر بلا شك في تكوين شخصية ثريا الفنية والأدبية. فقدت والدها في سن مبكرة، لتتولى عمتها الفاضلة عديلة قابل مسؤولية تربيتها ورعايتها، وهو ما ساهم في تشكيل شخصيتها المستقلة والطموحة، وغرس فيها قيم الاعتماد على الذات والتفوق. أكملت ثريا تعليمها وحصلت على شهادة الكلية الأهلية من بيروت، العاصمة اللبنانية التي كانت في تلك الحقبة منارة ثقافية وفنية في العالم العربي، مما فتح لها آفاقًا واسعة من المعرفة والإلهام، وعرّفها على تيارات أدبية وفكرية متنوعة ساهمت في صقل موهبتها الفريدة.
في سياق المشهد الثقافي السعودي خلال منتصف القرن العشرين، كانت ثريا قابل تمثل صوتًا جديدًا ومختلفًا. ففي فترة كانت فيها الساحة الأدبية تشهد تحولات وتطورات، وبروز أسماء لامعة في الشعر والنثر، استطاعت ثريا أن تحجز لنفسها مكانة خاصة. لقد جاءت في زمن كانت فيه مشاركة المرأة في الحياة العامة، وخاصة في مجالات الإبداع، تتطلب جرأة وشجاعة كبيرتين. تحدت ثريا قابل هذه القيود بذكاء وموهبة، لتصبح واحدة من أوائل الشاعرات السعوديات اللواتي ظهرن بأسمائهن الصريحة، ممهدة الطريق لأجيال قادمة من المبدعات.
“خنساء القرن العشرين”: لقب يعكس عمق التأثير والإرث الأدبي
لم يكن وصف الأديب الكبير محمد حسن عواد لثريا قابل بـ”خنساء القرن العشرين” مجرد مجاملة عابرة، بل كان اعترافًا عميقًا بقوة شعرها وعمق إحساسها، خاصة بعد صدور ديوانها الفصيح الأول “الأوزان الباكية” في بيروت عام 1963. هذا اللقب يحمل دلالات تاريخية وثقافية كبيرة ومتجذرة في الذاكرة العربية؛ فـ”الخنساء” هي الشاعرة العربية الجاهلية الشهيرة التي اشتهرت برثائها لأخويها صخر ومعاوية، وتميزت بصدق عاطفتها وقوة تعبيرها عن الحزن والفقد، مما جعلها رمزًا للشاعرة المبدعة ذات الوجدان الصادق. هذا التشبيه يضع ثريا قابل في مصاف الشاعرات العظيمات اللواتي تركن بصمة لا تُمحى في تاريخ الشعر العربي، مشيرًا إلى قدرتها الفائقة على التعبير عن الوجدان الإنساني بصدق وعمق فريدين، سواء في قصائدها الفصحى أو في أغانيها العامية.
لقد جاء ديوان “الأوزان الباكية” ليؤكد مكانتها كصوت شعري متميز، حيث لامس قلوب القراء بقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية والتعبير عن مشاعر الحب والفقد والأمل بأسلوب رشيق ومؤثر. هذا العمل لم يكن مجرد إضافة للمكتبة الشعرية السعودية، بل كان إشارة إلى نضج الحركة الشعرية النسائية في المملكة، وتأكيدًا على قدرة المرأة السعودية على الإبداع والتألق في أصعب الفنون الأدبية.
الريادة في الصحافة والإعلام: صوت المرأة السعودية الجريء
لم يقتصر إبداع ثريا قابل على الشعر فحسب، بل امتد ليشمل عالم الصحافة والإعلام، حيث كانت من الرائدات في هذا المجال في المملكة العربية السعودية، في فترة كانت فيها الصحافة تشهد تطورًا ملحوظًا وتلعب دورًا حيويًا في تشكيل الرأي العام. عملت محررة في صحف عكاظ والرياض، وهما من أبرز الصحف السعودية، وكتبت زوايا ثابتة في الصحف المحلية، مما أتاح لها منبرًا قويًا للتعبير عن آرائها وقضايا مجتمعها، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة والأسرة والتنمية الثقافية. لقد كانت مقالاتها تتميز بالعمق والجرأة، وتلامس قضايا حساسة بأسلوب راقٍ ومؤثر.
كما تولت رئاسة تحرير مجلة «زينة» في الفترة من 1986 إلى 1987، وهي خطوة جريئة ومهمة للغاية في مسيرة امرأة سعودية في تلك الحقبة، حيث كانت تولي المرأة مناصب قيادية في الإعلام أمرًا نادرًا. هذا الدور القيادي لم يكن مجرد منصب، بل كان تأكيدًا على كفاءتها وقدرتها على إدارة مؤسسة إعلامية، وفتح الباب أمام أخريات لتولي أدوار مماثلة. كما سطّرت مقالاتها في صحف قريش المكية، والبلاد السعودية، والأنوار اللبنانية في حقبة الستينات، مما يعكس حضورها الإعلامي الواسع وتأثيرها على الساحة الثقافية العربية ككل، وليس فقط المحلية. لقد كانت ثريا قابل بذلك نموذجًا للمرأة المثقفة والفاعلة التي لا تتردد في خوض غمار التحديات لخدمة مجتمعها ووطنها.
صوت جدة الخالد: إرث غنائي يلامس الروح
تجاوزت كلمات ثريا قابل حدود الصفحات المكتوبة لتلامس قلوب الملايين عبر الأغنية العربية، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الوجدان الفني للمنطقة. ذاعت كلماتها الغنائية عربيّاً، وعبّرت بانتماء صادق وعميق عن البيئة الحجازية الأصيلة، بلهجتها المميزة وأجوائها الروحانية والاجتماعية الفريدة، ولذا لُقّبت بحق “صوت جدة”. هذا اللقب لم يأتِ من فراغ، بل كان اعترافًا بقدرتها على تجسيد روح المدينة وأهلها في أبيات شعرية تتحول إلى ألحان خالدة.
شكلت ثريا قابل مع الموسيقار الراحل فوزي محسون ثنائياً فنياً أسطورياً، يُعد من أبرز الثنائيات في تاريخ الأغنية السعودية. هذا التعاون المثمر أنتج روائع غنائية لا تزال محفورة في الذاكرة الجمعية، وتُردد حتى اليوم، مثل: «من بعد مزح ولعب»، التي أصبحت أيقونة في الأغنية العاطفية، و«جاني الأسمر جاني»، و«حبيّب يا حبيّب»، و«يا من بقلبي غلا». هذه الأغاني لم تكن مجرد كلمات وألحان، بل كانت مرآة تعكس الحياة الاجتماعية والعاطفية في الحجاز، وتساهم في حفظ التراث الشفهي للمنطقة.
كما تغنّى فنان العرب الراحل طلال مداح، أحد عمالقة الفن العربي، بكلماتها الخالدة، ومن أشهرها «اديني عهد الهوى» و«تمنيت من الله»، مما أضاف لأعمالها بعدًا فنيًا وجماهيريًا أوسع. هذه الأعمال لم تكن مجرد أغانٍ عابرة، بل كانت تعبيرًا عن روح المجتمع الحجازي وقيمه وعواطفه، مما عزز من مكانة ثريا قابل كرمز ثقافي وفني لا يُضاهى. لقد ساهمت كلماتها في إثراء المكتبة الغنائية العربية، وأسست لنمط خاص من الأغنية السعودية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتظل مصدر إلهام للملحنين والمطربين حتى يومنا هذا.
جرأة ورؤية مستقبلية: تمكين المرأة في المشهد الثقافي
كانت الشاعرة ثريا قابل الأكثر جرأة ورؤية مستقبلية في عصرها، إذ حضرت باسمها الصريح من أول إطلالة لها على مسرح الإبداع، في زمن كانت فيه الشاعرات العربيات، وخاصة في المملكة، يفضلن استخدام أسماء مستعارة لتجنب النقد الاجتماعي أو القيود الثقافية. هذه الجرأة لم تكن مجرد سمة شخصية أو قرارًا فرديًا، بل كانت تعكس رؤية عميقة لدور المرأة في المجتمع، وتحديًا صريحًا للتقاليد التي قد تحد من ظهورها العلني ومشاركتها الفاعلة. لقد آمنت ثريا قابل بأن صوت المرأة يجب أن يُسمع بوضوح، وأن إبداعها يستحق أن يُنسب إليها دون مواربة.
لقد فتحت ثريا قابل الباب على مصراعيه أمام أجيال من الشاعرات والكاتبات والفنانات السعوديات والعربيات للتعبير عن أنفسهن بصدق وشفافية، دون خوف أو تردد. أصبحت بذلك أيقونة للتمكين الثقافي والاجتماعي للمرأة، ومثالًا يُحتذى به في الشجاعة والإصرار على تحقيق الذات والإسهام في بناء المشهد الثقافي. تأثيرها تجاوز حدود الأدب والفن، ليصبح جزءًا من حركة أوسع نحو تعزيز مكانة المرأة ودورها في المجتمع السعودي المتطور.
تأثيرها وإرثها الخالد: بصمة لا تُمحى في تاريخ الثقافة
يرتبط اسم ثريا قابل بأشهر شارع تجاري في قلب مدينة جدة، وهو ما يعكس مدى تغلغل اسمها في وجدان المدينة وأهلها، وتكريمًا لمكانتها الفريدة. لكن إرثها يتجاوز ذلك بكثير؛ فهي لم تكن مجرد شاعرة أو صحفية أو كاتبة أغاني، بل كانت رمزًا للعطاء الثقافي والفني المتواصل، وصوتًا أصيلًا يعبر عن هوية منطقة بأكملها، ويجسد روحها وتطلعاتها. لقد تركت بصمة لا تُمحى في كل مجال خاضته، من الشعر الفصيح إلى الأغنية الشعبية، ومن المقال الصحفي إلى رئاسة التحرير.
رحيلها يترك فراغًا كبيرًا في الساحة الأدبية والفنية السعودية والعربية، لكن أعمالها ستبقى خالدة، تُلهم الأجيال القادمة وتذكرهم بامرأة استثنائية كرست حياتها للكلمة الصادقة واللحن الشجي. إن تأثيرها سيظل ملموسًا في الشعر الغنائي السعودي، الذي شهد على يدها تطورًا كبيرًا، وفي ذاكرة كل من استمتع بكلماتها وألحانها التي أصبحت جزءًا من التراث الوطني. لقد أثبتت ثريا قابل أن الفن الحقيقي لا يموت، وأن الإبداع الصادق قادر على تجاوز الزمان والمكان، ليظل مصدر إلهام وفخر للأجيال المتعاقبة. ستبقى ذكراها حية في قلوب محبيها، وفي كل نغمة وكلمة خطتها يراعها، شاهدة على مسيرة حافلة بالإنجازات والعطاء.


