spot_img

ذات صلة

السياسة الوطنية للغة العربية: هوية، تنمية، ومعرفة

تُعد اللغة العربية، بما تملكه من عمق تاريخي وتراث ثقافي غني، حجر الزاوية في هوية أكثر من 400 مليون إنسان حول العالم. إنها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء حضارة، ومستودع معرفة، ولغة مقدسة لمليارات البشر. في عصر يتسم بالعولمة المتسارعة والتقدم التكنولوجي، يصبح الحفاظ على هذا الكنز اللغوي الثمين وتعزيزه أمرًا بالغ الأهمية.

في هذا السياق، يمثل اعتماد مجلس الوزراء السعودي مؤخرًا للسياسة الوطنية للغة العربية لحظة محورية. تؤكد هذه المبادرة الاستراتيجية التزام المملكة الراسخ بوضع اللغة العربية ليس فقط كركيزة أساسية للهوية الوطنية، بل كأداة ديناميكية للتنمية الشاملة وجسر حيوي لفهم الذات والآخر. تعكس هذه الخطوة وعيًا عميقًا لدى القيادة بأهمية اللغة الحاسمة، خاصة في ظل تقاطع أسئلة الهوية مع تحديات وفرص المستقبل.

العربية: ركيزة سيادية ومكون أساسي للتنمية

كما أشار محمد عوض الله العمري، مدير جمعية الأدب بالمدينة المنورة، فإن هذا القرار يعيد اللغة العربية بفعالية إلى قلب المشروع الوطني. ويؤكد العمري على دورها بوصفها «وعاء الذاكرة ووسيط الفكر»، ولغة بناء وتنمية، تتجاوز كونها مجرد رمز للانتماء. وتؤسس السياسة إطارًا مؤسسيًا مصممًا لتعزيز حضورها في قطاعات متنوعة: التعليم، والإدارة، والإعلام، والفضاء الرقمي. ويؤمن العمري إيمانًا راسخًا بأن النهضة الوطنية الحقيقية تظل ناقصة بدون لغتها الأم. ويشدد على أن السياسة الجديدة تمنح العربية مكانتها المستحقة دون عزلها عن لغات العالم الأخرى، مؤكدًا أن الثقة بالعربية تعني الإيمان بقدرتها على استيعاب العلوم الحديثة، وصياغة خطاب حضاري معاصر، ودعم الترجمة والتأليف، وتوحيد المصطلحات، وإثراء المحتوى العربي الرقمي الرصين. علاوة على ذلك، يرى العمري أن اللغة رافعة قوية للتماسك المجتمعي، فهي تقرب الفصحى من الحياة اليومية وتحمي الذائقة العامة من التشتت دون إلغاء التنوع.

التعليم والإعلام: دعامتان أساسيتان

تأكيدًا لهذا التوجه، يشدد الكاتب محمد السحيمي على أن السياسة الوطنية للغة العربية يجب أن تنطلق من وزارة التعليم. ويجادل بأن التعليم يشكل الأساس الذي تتفرع منه جميع القطاعات الأخرى، ويحدد التعليم والإعلام كحاميين رئيسيين للغة العربية. هذا التركيز على التعليم الأساسي أمر بالغ الأهمية، حيث إن التعرض المبكر والتعليم الجيد هما مفتاح تنشئة جيل فخور بتراثه اللغوي ومتقن لاستخدامه.

اتساق مع رؤية 2030 وتأثير أوسع

يلاحظ الدكتور سعد الرفاعي، رئيس جمعية أدب الطفل، بحق أن هذا القرار يتسق بسلاسة مع رؤية السعودية 2030 ومبادراتها المختلفة، ولا سيما مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية. يعكس هذا الاتساق المنهجية الثابتة للدولة رغم المتغيرات العالمية، ويهدف إلى الحد من انتشار المصطلحات الأجنبية في المحلات والقطاعات المتنوعة. ويتطلع الرفاعي إلى خطوات لاحقة تشمل تعريب العلوم والتقنية، وتيسيرها للطلاب، وتعزيز اعتزاز المجتمع باللغة العربية بوصفها ركيزة للهوية.

السياق التاريخي والأهمية العالمية

تتمتع اللغة العربية بماضٍ مجيد، حيث كانت لغة العلم والإدارة لإمبراطورية واسعة وقناة للمعرفة خلال العصر الذهبي للإسلام، ناقلةً العلوم والفلسفة والفنون إلى العالم. تأثيرها على اللغات والفكر الأوروبي لا يمكن إنكاره. في العصر الحديث، ورغم مواجهتها لتحديات العولمة وهيمنة اللغة الإنجليزية في المجالات العلمية والرقمية، تظل العربية واحدة من أكثر اللغات تحدثًا على مستوى العالم ولغة رسمية في الأمم المتحدة. لذا، فإن هذه السياسة ليست مجرد شأن داخلي، بل هي مساهمة كبيرة في الحفاظ على التنوع اللغوي وتعزيز لغة عالمية رئيسية على الساحة الدولية. من خلال الاستثمار في لغتها، تعزز المملكة العربية السعودية دبلوماسيتها الثقافية وقوتها الناعمة، مقدمةً نفسها كقائدة في الحفاظ على الثقافة والابتكار داخل العالمين العربي والإسلامي.

التأثير المتوقع: محليًا، إقليميًا، ودوليًا

على الصعيد المحلي، من المتوقع أن تعزز هذه السياسة الهوية الوطنية بين الأجيال الشابة، مما يضمن ارتباطهم بجذورهم مع احتضان الحداثة. ستعمل على إثراء المشهد الثقافي، وتحفيز الصناعات الإبداعية، وتحسين جودة المحتوى العربي عبر جميع المنصات. إقليميًا، يمكن أن يلهم الموقف الاستباقي للمملكة مبادرات مماثلة في دول عربية أخرى، مما يؤدي إلى تعاون أكبر في البحث اللغوي والتعليم وإنشاء المحتوى. دوليًا، من خلال تعزيز اللغة العربية وتراثها الغني، تساهم المملكة في التفاهم والحوار الثقافي العالمي، عارضةً عمق وجمال الحضارة العربية لجمهور أوسع. يضمن هذا النهج الشامل استمرار ازدهار اللغة العربية كلغة حية ومتطورة قادرة على تلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين.

spot_imgspot_img