أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أمس الأربعاء، انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية الجديدة (نيو ستارت) بشكل نهائي، مؤكدة أن المدة النهائية للاتفاق قد بلغت تاريخ اليوم. هذا الإعلان يمثل نقطة تحول حاسمة في المشهد الأمني العالمي، حيث يضع حداً لآخر معاهدة رئيسية للحد من الأسلحة النووية بين القوتين العظميين، روسيا والولايات المتحدة.
وأكدت الخارجية الروسية في بيان رسمي أن المعاهدة «انتهت صلاحيتها قانونياً وفعلياً» في 5 فبراير، وأن روسيا لن تكون ملزمة بأي من التزاماتها بعد هذا التاريخ. وأشارت الوزارة إلى أنه «لا توجد حالياً أي مفاوضات جارية أو مخطط لها لإبرام اتفاقية جديدة تحل محلها»، مما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الاستراتيجي.
خلفية تاريخية: معاهدة ستارت الجديدة وأهميتها
معاهدة ستارت الجديدة، التي وقعها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف في براغ عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011، كانت تمثل حجر الزاوية في جهود الحد من التسلح النووي. هدفت المعاهدة إلى تقييد عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة والوسائل الحاملة لها (مثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصات والقاذفات الثقيلة) لكل من الولايات المتحدة وروسيا. وقد حددت المعاهدة سقفاً بـ 1550 رأساً حربياً نووياً منتشراً، و700 صاروخ باليستي عابر للقارات (ICBMs) وصاروخ باليستي يطلق من الغواصات (SLBMs) وقاذفات ثقيلة منتشرة وغير منتشرة. كما تضمنت آليات تحقق وتفتيش صارمة لضمان الشفافية والامتثال.
كانت هذه المعاهدة امتداداً لسلسلة من اتفاقيات الحد من الأسلحة التي بدأت في حقبة الحرب الباردة، مثل معاهدة ستارت الأولى (START I) عام 1991 ومعاهدة موسكو (SORT) عام 2002، وكانت تعتبر آخر صمام أمان يمنع سباق تسلح نووي غير مقيد بين أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. وفي عام 2021، تم تمديد المعاهدة لخمس سنوات إضافية، مما منح أملاً في استمرار الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي.
أسباب الانسحاب الروسي وتدهور العلاقات
كانت روسيا قد علّقت مشاركتها في آليات التحقق والتفتيش المنصوص عليها في المعاهدة منذ فبراير 2023، لكنها ظلت ملتزمة فعلياً بالحد الأقصى لعدد الرؤوس النووية والوسائط الحاملة حتى اليوم الأخير من سريان الاتفاق. وذكر البيان أن القرار الروسي بتعليق المعاهدة جاء بسبب التنفيذ غير المرضي لبعض جوانب الاتفاق من قبل الجانب الأمريكي، والتصرفات غير المقبولة من واشنطن التي تتعارض مع المبادئ الأساسية للمعاهدة. وأشار البيان إلى مجموعة من الخطوات غير الشرعية الأمريكية المتعلقة بأحكام محددة، مثلت انتهاكاً جوهرياً لا يتناسب مع الاستمرار في التنفيذ الكامل لها.
وسلط البيان الضوء على مسؤولية الولايات المتحدة عن أعمال مزعزعة للاستقرار في مجال الدفاع الصاروخي، متعارضة مع الرابط المتماسك بين الأسلحة الهجومية والدفاعية المنصوص عليه في «ستارت». وأكدت الخارجية الروسية أن هذه التصرفات عارضت أهداف المعاهدة في الحفاظ على توازن القوى، وزادت الضغوط على بقائها، وخلقت أسباباً «لإجراءات تعويضية» من الجانب الروسي خارج نطاقها.
تأتي هذه التطورات في سياق تدهور حاد في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. حيث تتهم موسكو واشنطن بالسعي لإلحاق هزيمة استراتيجية بها، مما يجعل التعاون في قضايا الأمن النووي أمراً صعباً للغاية. وقد أدت هذه التوترات إلى انهيار العديد من اتفاقيات الحد من التسلح السابقة، مثل معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF) في عام 2019.

تداعيات نهاية المعاهدة: سباق تسلح جديد ومخاطر عالمية
شدد البيان الروسي على أن المعاهدة أدت عموماً وظائفها الأساسية خلال سنوات عملها، إذ ساهمت في خفض وتيرة سباق التسلح الاستراتيجي وسمحت «بتخفيضات كبيرة» في الترسانات، كما وفرت القيود المفروضة مستوى كافياً من التنبؤ على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن نهاية المعاهدة تحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي.
أشارت الخارجية الروسية إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين طرح في 22 سبتمبر 2025 مبادرة علنية يتعهد فيها الطرفان بقيود طوعية على تلك الحدود لمدة عام على الأقل بعد انتهاء الصلاحية، ولكن حتى اللحظة الحالية لم يتم تلقّي أي رد رسمي من الولايات المتحدة على تلك المبادرة عبر القنوات الثنائية، معتبرة التعليقات العامة الأمريكية لا تعطي أي مؤشرات على استعداد واشنطن للامتثال للخطوات المقترحة.
أكد البيان أن روسيا -من الناحية العملية- تعتبر أن هذا التطور «يمثل حقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار». وأضافت الخارجية: «في الظروف الحالية، نستنتج أن الطرفين لم يعودا ملزمين بأي التزامات أو بيانات متبادلة في إطار المعاهدة، بما في ذلك أحكامها المركزية، وفي الأساس يمكنهما اختيار خطواتهما القادمة بحرّية».
هذا يعني أن العالم يدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين النووي. فبدون قيود معاهدة ستارت الجديدة، قد تتجه كل من روسيا والولايات المتحدة نحو تطوير ونشر أسلحة نووية استراتيجية جديدة دون أي قيود، مما يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي محتمل. هذا السيناريو يزيد من مخاطر سوء التقدير والتصعيد، ويقلل من الشفافية والتنبؤية في العلاقات بين القوتين النوويتين الرئيسيتين. كما أن انهيار هذه المعاهدة قد يؤثر سلباً على جهود منع الانتشار النووي العالمية، حيث قد تشعر دول أخرى بضرورة تعزيز ترساناتها في غياب إطار عمل دولي قوي.


