اليوم (الخميس) يشهد العالم نهاية رسمية لمعاهدة “نيو ستارت” النووية، آخر اتفاقية رئيسية للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا. هذا الحدث يمثل نقطة تحول خطيرة، ويدفع بالنظام الدولي نحو مرحلة من عدم اليقين والمخاطر المتزايدة، مع تحذيرات متصاعدة من سباق تسلح نووي جديد قد يعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة.
لطالما شكلت معاهدات الحد من الأسلحة النووية حجر الزاوية في استقرار الأمن العالمي منذ ذروة الحرب الباردة. فبعد عقود من التنافس المحموم على التسلح بين القوتين العظميين، سعت هذه الاتفاقيات، مثل معاهدات سالت (SALT) وستارت (START I) ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF)، إلى وضع قيود على تطوير ونشر الأسلحة النووية، وتوفير آليات للتحقق والشفافية. كان الهدف الأسمى هو منع التصعيد غير المقصود وتقليل خطر الحرب النووية، التي قد تكون مدمرة للبشرية جمعاء. “نيو ستارت”، التي وُقعت عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، كانت الوريث الشرعي لهذه الجهود، حيث وضعت سقفًا لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية ومنصات الإطلاق التي يمكن لكل من واشنطن وموسكو امتلاكها.
المعاهدة حددت عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة بـ 1550 لكل جانب، وعدد منصات الإطلاق والقاذفات الثقيلة بـ 700. كما تضمنت آليات تفتيش متبادلة لضمان الامتثال، مما وفر مستوى ضروريًا من الثقة والشفافية بين الخصمين النوويين. تم تمديد المعاهدة لخمس سنوات إضافية في عام 2021، بعد فترة وجيزة من تولي الرئيس جو بايدن منصبه، مما عكس رغبة مبدئية في الحفاظ على هذا الإطار الأمني. ومع ذلك، أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، لا سيما الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، إلى تدهور سريع في العلاقات. علقت روسيا مشاركتها في المعاهدة في فبراير 2023، مبررة ذلك بـ “الأعمال العدائية” للولايات المتحدة وحلفائها، ورفضت استئناف عمليات التفتيش المتبادلة، مما أفرغ المعاهدة من محتواها العملي قبل انتهاء صلاحيتها اليوم.
أعلنت موسكو، أمس (الأربعاء)، أنها لم تعد “ملزمة” ببنود المعاهدة، مؤكدة في بيان لوزارة خارجيتها أن أطراف الاتفاق لم تعد خاضعة لأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار المعاهدة. ورغم ذلك، شددت موسكو على أنها ستتصرف “بحكمة ومسؤولية” في المجال النووي، في رسالة تجمع بين الانسحاب والحفاظ على قدر من ضبط النفس، لكنها تظل غامضة بشأن الخطوات المستقبلية.
في المقابل، التزمت الولايات المتحدة الصمت الحذر حيال خطواتها القادمة. اكتفى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالقول إن الرئيس دونالد ترامب سيتحدث “لاحقًا” عن الموقف، مشيرًا إلى رغبة واشنطن في إشراك الصين في أي مفاوضات مستقبلية. ترى الولايات المتحدة أن السيطرة على التسلح في القرن الحادي والعشرين “لا يمكن أن تتم دون بكين”، خاصة في ظل التنامي السريع لترسانتها النووية. ومع ذلك، ترفض الصين باستمرار الانضمام إلى مثل هذه المحادثات، مؤكدة أن ترسانتها لا تزال أصغر بكثير من ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا.
توالت ردود الفعل الدولية المحذرة من تداعيات انتهاء المعاهدة. حذر الكرملين نفسه من عالم “أكثر خطورة من ذي قبل”، بينما دعا البابا فرنسيس إلى منع سباق تسلح جديد، مطالبًا بعدم التخلي عن أدوات الحد من الأسلحة دون بدائل فعالة. ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اللحظة بأنها “ضربة للسلام والأمن الدوليين”، داعيًا واشنطن وموسكو للعودة العاجلة إلى طاولة المفاوضات. من جانبها، حملت ألمانيا وفرنسا موسكو مسؤولية الفشل، ورأت باريس أن نهاية “نيو ستارت” تعني زوال أي قيود على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم لأول مرة منذ الحرب الباردة. كما حذرت منظمات دولية، مثل “إيكان” (الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية)، من تسارع سباق التسلح وامتداده إلى قوى نووية أخرى.
بين انسحاب الاتفاقيات وتأثر البدائل، يجد العالم نفسه أمام اختبار نووي جديد. السؤال الأبرز هو: هل سيُفتح باب التفاوض سريعًا لإيجاد إطار جديد للحد من التسلح، أم سيُترك الخوف وعدم اليقين ليقودا المرحلة القادمة، مما يهدد بزعزعة الاستقرار العالمي بشكل غير مسبوق؟ إن غياب أي قيود على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم يثير مخاوف جدية بشأن الاستقرار الاستراتيجي، ويزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد في أوقات التوتر الدولي المتزايد.


