spot_img

ذات صلة

غارات باكستانية في أفغانستان: تصعيد حدودي وتوتر متصاعد

في تصعيد عسكري هو الأبرز منذ سنوات، أعلنت السلطات الباكستانية أن جيشها نفذ فجر الأحد سلسلة ضربات جوية دقيقة ومكثفة استهدفت سبعة معسكرات ومخابئ لمسلحين داخل الأراضي الأفغانية على طول الشريط الحدودي المضطرب بين البلدين. وأسفرت العملية، التي وصفتها إسلام آباد بأنها “رد انتقامي”، عن مقتل ما لا يقل عن 70 مسلحاً، في حين أشارت تقارير إعلامية باكستانية إلى أن العدد قد يصل إلى 80 قتيلاً.

وجاءت هذه الضربات رداً على موجة من الهجمات الانتحارية الدامية التي شهدتها باكستان مؤخراً، وتبنتها حركة “طالبان باكستان” (TTP)، وأودت بحياة العشرات خلال شهر رمضان. وأكد نائب وزير الداخلية الباكستاني، طلال تشودري، أن الضربات كانت “ذكية وانتقائية” ونُفذت استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة، واستهدفت بشكل أساسي معسكرات تابعة لحركة “طالبان باكستان” وفصائل مرتبطة بها، بالإضافة إلى عناصر من تنظيم “داعش – ولاية خراسان”.

خلفية التوتر: جذور الصراع الحدودي

تعود جذور التوتر الحالي إلى عقود من انعدام الثقة والاتهامات المتبادلة، والتي تفاقمت بشكل كبير بعد سيطرة حركة طالبان على كابول في أغسطس 2021. ولطالما اتهمت إسلام آباد حكومة طالبان الأفغانية بتوفير ملاذات آمنة لمقاتلي “طالبان باكستان”، وهي جماعة مسلحة منفصلة ولكنها متحالفة أيديولوجياً مع طالبان الأفغانية، وتشن هجمات ضد الدولة الباكستانية منذ سنوات. ترى باكستان أن الفراغ الأمني الذي أعقب الانسحاب الأمريكي مكّن “طالبان باكستان” من إعادة تنظيم صفوفها وتكثيف هجماتها العابرة للحدود، مستغلة التضاريس الجبلية الوعرة والحدود التي يسهل اختراقها والمعروفة بخط ديورند.

منذ عام 2021، شهدت باكستان تصاعداً ملحوظاً في الهجمات المسلحة، خاصة في إقليم خيبر بختونخوا والمناطق القبلية المتاخمة لأفغانستان. ونفذت حركة “طالبان باكستان” سلسلة تفجيرات انتحارية وهجمات معقدة استهدفت قوات الأمن والمدنيين على حد سواء، مما وضع ضغوطاً هائلة على الحكومة الباكستانية لاتخاذ إجراءات حاسمة.

ردود فعل متباينة وتداعيات محتملة

في المقابل، أدانت حكومة طالبان في كابول الضربات الباكستانية بشدة، ووصفتها بأنها “عدوان صارخ” وانتهاك للسيادة الأفغانية. ونفت كابول الاتهامات الباكستانية، مؤكدة أن الغارات طالت مناطق مدنية في محافظتي ننجرهار وبكتيا، وأسفرت عن سقوط ضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. وتوعد المتحدث باسم حكومة طالبان برد “مناسب ومحسوب”، محذراً من أن مثل هذه الأعمال قد تزعزع استقرار المنطقة الهش أصلاً.

على الصعيد الإقليمي والدولي، تثير هذه المواجهة العسكرية قلقاً بالغاً. فالضربات الجوية الباكستانية داخل أفغانستان تمثل تحولاً نوعياً في استراتيجية إسلام آباد، من الاعتماد على الضغط الدبلوماسي إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة. هذا التصعيد يهدد بتعقيد المشهد الأمني في جنوب آسيا، وقد يؤثر على العلاقات بين باكستان والدول المجاورة الأخرى، كما يضع تحدياً جديداً أمام المجتمع الدولي الذي يسعى لتحقيق الاستقرار في أفغانستان ومنع تحولها مرة أخرى إلى بؤرة للإرهاب العالمي.

spot_imgspot_img