في خطوة تعكس قوة ومتانة القطاع المالي في المملكة العربية السعودية، كشفت أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي السعودي “ساما” عن قفزة نوعية في حجم أصول صناديق الاستثمار العامة. فقد سجلت هذه الأصول ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى 220.8 مليار ريال بنهاية فترة القياس المحددة لعام 2025، محققة بذلك زيادة قدرها 27% مقارنة بالعام الذي سبقه 2024، والذي بلغت فيه الأصول نحو 174.5 مليار ريال. هذا النمو يعكس ثقة المستثمرين المتزايدة في البيئة الاقتصادية السعودية.
تفاصيل نمو أصول صناديق الاستثمار العامة وتوزيعاتها
بحسب التفاصيل الواردة في التقارير المالية، جاء هذا الارتفاع الإجمالي مدفوعاً بشكل رئيسي بانتعاش أصول الصناديق المحلية. فقد شكلت الصناديق المحلية ما نسبته 87% من إجمالي الأصول، مسجلة نمواً بنسبة 33% لتصل قيمتها إلى حوالي 192.9 مليار ريال. في المقابل، شهدت أصول الصناديق الأجنبية، التي تمثل 13% من الإجمالي، تراجعاً طفيفاً بنسبة 6% لتستقر عند 27.9 مليار ريال.
وعلى صعيد هيكلة هذه الصناديق، تتوزع أصول صناديق الاستثمار العامة البالغ عددها 356 صندوقاً إلى فئتين رئيسيتين: صناديق مفتوحة وأخرى مغلقة. استحوذت الصناديق المفتوحة على النصيب الأكبر بنسبة 85% من إجمالي الأصول، بقيمة بلغت نحو 188 مليار ريال موزعة على 330 صندوقاً. بينما بلغت قيمة أصول الصناديق المغلقة حوالي 32.8 مليار ريال عبر 26 صندوقاً استثمارياً. وتتنوع هذه الأصول لتشمل الأسهم المحلية والأجنبية، السندات، الأدوات النقدية، الاستثمارات العقارية، وأصولاً أخرى متنوعة.
السياق الاقتصادي ومسيرة التحول المالي في السعودية
لا يمكن قراءة هذه الأرقام الإيجابية بمعزل عن السياق العام للتحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة العربية السعودية. تاريخياً، اعتمدت الأسواق المالية في المنطقة بشكل كبير على الإنفاق الحكومي المباشر وعوائد النفط. ولكن مع إطلاق رؤية السعودية 2030، بدأ تحول جذري نحو تنويع مصادر الدخل وتعميق السوق المالية. وقد عملت الجهات التنظيمية، وعلى رأسها البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية، على تطوير تشريعات مرنة وشفافة تحفز على الادخار والاستثمار المؤسسي.
هذه الجهود المستمرة منذ سنوات أثمرت عن خلق بيئة استثمارية جاذبة، حيث توفر الصناديق الاستثمارية قنوات آمنة ومُدارة باحترافية تتيح للأفراد والمؤسسات تنمية مدخراتهم بعيداً عن المخاطر العالية المرتبطة بالاستثمار الفردي المباشر، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على هذه الأدوات المالية من قبل مختلف الشرائح.
التأثير المتوقع على المشهد المالي المحلي والإقليمي
يحمل الارتفاع المستمر في حجم الأصول دلالات هامة وتأثيرات واسعة النطاق. على المستوى المحلي، يساهم هذا النمو في ضخ سيولة ضخمة في شرايين الاقتصاد الوطني، مما يدعم تمويل المشاريع التنموية والشركات المدرجة، ويخلق فرص عمل جديدة. كما يتضح الأثر الاجتماعي والاقتصادي من خلال زيادة عدد المشتركين في هذه الصناديق، حيث أضافت الصناديق أكثر من 6 آلاف مشترك جديد خلال نفس الفترة، ليصل إجمالي عدد المشتركين إلى نحو 1.58 مليون مشترك، مما يعكس تنامي ثقافة الادخار والاستثمار لدى المواطنين والمقيمين.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تجاوز الأصول لحاجز 220 مليار ريال يعزز من مكانة السوق المالية السعودية كأكبر سوق مالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا الحجم الضخم من الأصول المُدارة يرسل إشارات إيجابية قوية للمستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية العالمية، مؤكداً أن الرياض تمضي قُدماً لتصبح مركزاً مالياً عالمياً رائداً، قادراً على استقطاب رؤوس الأموال وتقديم منتجات استثمارية تتوافق مع أعلى المعايير الدولية.


