spot_img

ذات صلة

صفاء عبد المنعم: رحلة إبداعية من حكايات الجدة للرواية

تُمثل الكاتبة المصرية صفاء عبد المنعم نموذجاً فريداً للأديبة التي نُسجت مسيرتها الإبداعية من خيوط الذاكرة الشعبية والتجارب الحياتية العميقة. فمن «حدوتة الجدة» التي شكلت وعيها الأول، إلى يوم عاصف مليء بالغبار ألهمها أولى قصصها، تتكشف رحلة أدبية ثرية، تجد جذورها في أصالة القرية المصرية وتتفرع أغصانها في صخب القاهرة وتاريخها العريق.

جذور الإبداع: «حدوتة جدتي» كنز لا يفنى

تؤكد صفاء عبد المنعم أن الطفولة هي النبع الأول الذي لا ينضب لأي مبدع، وتعتبر أن رصيدها الحقيقي يكمن في تلك الحكايات التي كانت ترويها لها جدتها قبل النوم. لم تكن مجرد قصص شعبية عن «الشاطر حسن» أو «ست الحسن والجمال»، بل كانت مدرسة أولى في فن السرد والخيال. كانت الجدة، ببراعتها الفطرية، تقلد أصوات المطر والريح، وتخلق عوالم وشخصيات حية في أذهان الأطفال، مما غرس فيهم حب الحكي وقدرة فريدة على التصور البصري والذهني. هذا الإرث الشفوي، الذي يعد جزءاً أصيلاً من الثقافة المصرية، شكل المخزون المعرفي والخيالي الذي استندت إليه في مسيرتها الأدبية لاحقاً، مانحاً كتاباتها نكهة خاصة تمزج بين الواقعية وسحر الحكايات الشعبية.

القاهرة الصاخبة: كيف شكلت المدينة هوية الكاتبة؟

الانتقال إلى القاهرة لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل كان انغماساً في بوتقة تاريخية وثقافية صاغت جزءاً كبيراً من شخصيتها الأدبية. تصف صفاء عبد المنعم القاهرة بأنها مدينة ذات طبقات معرفية وتاريخية متعددة، فمن الفسطاط إلى القاهرة الفاطمية والخديوية، كل حجر فيها يروي حكاية. السير على كورنيش النيل أو في أزقة الأوقاف وحي السيدة زينب، كان يعيد إلى ذهنها مشاهد من روائع الأدب المصري، وكأنها ترى شخصيات نجيب محفوظ تتجسد أمامها. هذه التجربة المكانية العميقة منحتها صلابة معرفية وزخماً ثقافياً، وجعلتها شخصية عملية تقدس السعي والعمل الجاد، وهي السمات التي انعكست بوضوح على كتاباتها ومنهجها في الحياة.

تجربة صفاء عبد المنعم: من التربية إلى الأدب

لم تكن الكتابة هي المسار الأول في حياة صفاء عبد المنعم، فقد أمضت سنوات طويلة في حقل التربية والتعليم، كمعلمة ثم مديرة مدرسة. هذه التجربة أضافت الكثير لشخصيتها ككاتبة، حيث أتاحت لها فهماً عميقاً للنفس البشرية ومراحل تطورها. وتكشف أن دخولها عالم القصة القصيرة جاء بمحض الصدفة، ففي صباح يوم عاصف عام 1982، وحين حجب الغبار الرؤية، وجدت نفسها تكتب قصة «يوم عاصف». هذه القصة، التي لاقت استحسان أصدقائها، كانت الشرارة التي أطلقت مسيرتها مع الكتابة، وصدرت ضمن مجموعتها الأولى «حكايات الليل» عام 1984. ومنذ ذلك الحين، تأثرت بكبار كتاب القصة القصيرة عالمياً مثل تشيكوف ومحلياً مثل يوسف إدريس، لتصنع لنفسها بصمة خاصة في هذا الفن الأدبي.

تطور التجربة الأدبية: بين القصة والرواية وأدب الطفل

لم تتوقف رحلتها عند القصة القصيرة، بل امتدت لتشمل الرواية وأدب الطفل. كان لزوجها، الشاعر الراحل مجدي الجابري، دور كبير في دعمها وتشجيعها، حيث كان شريكاً في رحلتها الثقافية. كما أن أمومتها كانت الدافع المباشر لدخولها عالم أدب الطفل، فقد بدأت بتأليف حكايات خاصة لأبنائها قبل النوم، لتكتشف شغفاً جديداً وتنتقل به إلى النشر، إيماناً منها بأهمية بناء وعي وخيال الأجيال الجديدة. هذه التنقلات بين الأجناس الأدبية المختلفة تظهر مرونة موهبتها وقدرتها على مخاطبة شرائح متنوعة من القراء، من الكبار إلى الصغار، بروح إبداعية متجددة.

spot_imgspot_img