أثارت لائحة تنظيم العمل الصادرة حديثاً عن شركة الصحة للموارد البشرية حالة من القلق والجدل الواسع بين الموظفين والمنتسبين، لا سيما بعد صياغة المادة السادسة والعشرين التي تناولت قواعد منح العلاوة السنوية في القطاع الصحي. ونصت المادة على أنه “يجوز للشركة منح العاملين لديها العلاوة السنوية”، وهي صياغة قانونية أثارت تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه العلاوة قد تحولت من حق وظيفي مكتسب وملزم إلى ميزة اختيارية خاضعة للتقدير الإداري للشركة.
الفرق القانوني بين الإلزام والاختيار في العلاوة السنوية في القطاع الصحي
وفي هذا السياق، أوضح المستشار القانوني الدكتور وليد العتيبي لـ«عكاظ» أن هذه الصياغة الجديدة تمثل تراجعاً أو اختلافاً جوهرياً عن النهج المستقر في الأنظمة واللوائح الوظيفية السابقة التي كانت تحكم العلاقة بين وزارة الصحة وموظفيها. فقد كانت لوائح الخدمة المدنية، ولائحة الوظائف الصحية، وأنظمة التشغيل الذاتي تستخدم عبارات صريحة تفيد الوجوب والاستحقاق مثل “تُمنح” أو “يتم منح”. هذه الألفاظ تعني قانوناً إلزامية الصرف بمجرد استيفاء الموظف للشروط النظامية، دون ترك مساحة للاجتهاد أو التقدير من قبل جهة العمل.
وأضاف العتيبي أن استخدام لفظ “يجوز” في اللائحة الجديدة يمنح الشركة سلطة تقديرية واسعة في اتخاذ قرار الصرف من عدمه. وتستند هذه الصياغة إلى اللائحة التنفيذية لنظام العمل للمنشآت الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مؤخراً، والتي نصت في مادتها الـ26 على جواز منح العلاوات السنوية وربط نسبتها بالمركز المالي للمنشأة، مع اشتراط حصول العامل على تقييم أداء لا يقل عن “متوسط” بعد مضي عام كامل على تعيينه أو على آخر علاوة حصل عليها.
سياق التحول الهيكلي في المنظومة الصحية السعودية
يأتي هذا الجدل القانوني في وقت يمر فيه القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية بمرحلة تحول تاريخية غير مسبوقة تماشياً مع رؤية السعودية 2030. يهدف برنامج تحول القطاع الصحي إلى تخصيص الخدمات ونقل الموظفين من مظلة الخدمة المدنية إلى نظام الشركات وإدارة الموارد البشرية المستقلة عبر شركة الصحة القابضة. ويسعى هذا التحول إلى رفع كفاءة الإنفاق وتحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين والمقيمين، إلا أن الانتقال من النظام الحكومي التقليدي إلى نظام الشركات يثير بطبيعة الحال مخاوف الموظفين بشأن الأمان الوظيفي والمزايا المالية المستقرة التي اعتادوا عليها لعقود.
تأثيرات التعديلات الجديدة على الكفاءات الطبية والاستقرار الوظيفي
إن إعادة صياغة بنود العلاوات لتصبح اختيارية قد تحمل تأثيرات ملموسة على المستويات المحلية والإقليمية. فعلى المستوى المحلي، قد تؤثر هذه الخطوة على جاذبية العمل في القطاع الصحي الحكومي المدار بروح تجارية، مما قد يدفع بعض الكفاءات الطبية المتميزة للبحث عن فرص أفضل في القطاع الخاص أو حتى إقليمياً ودولياً. ومن ناحية أخرى، يرى خبراء الإدارة أن ربط العلاوة بالأداء والمركز المالي للمنشأة يمثل أداة تحفيزية قوية تساهم في رفع الإنتاجية وضمان توجيه الموارد المالية نحو الكفاءات الأكثر تميزاً، مما ينعكس إيجاباً على جودة الرعاية الصحية الشاملة في نهاية المطاف.


