أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، موجة عارمة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية داخل طهران وخارجها، بعدما فجّر مفاجأة من العيار الثقيل كاشفاً أنه لم يلتقِ حتى الآن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وجاء هذا الاعتراف الصادم خلال مقابلة مصورة جرى حذفها سريعاً بعد ساعات قليلة من نشرها، مما سلط الضوء مجدداً على الغموض الذي يكتنف هيكلية الحكم الحالية في إيران والغياب المستمر للمرشد الجديد عن الأنظار في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد.
كواليس صناعة القرار وغياب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي عن المشهد
في مقابلة أجراها عبر منصة “يوتيوب” مع المخرج الوثائقي جواد موغوي، استعرض عراقجي كواليس إدارة المفاوضات الحساسة وآلية اتخاذ القرار في العاصمة طهران. وأوضح وزير الخارجية أن القرارات الفورية المتعلقة بمذكرات التفاهم والمفاوضات مع الولايات المتحدة لا تُتخذ عبر المجلس الأعلى للأمن القومي بكامل أعضائه، بل تُحال إلى لجنة مصغرة تضم ستة أعضاء فقط.
وتضم هذه اللجنة، وفقاً لعراقجي، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، بالإضافة إلى عراقجي نفسه وعضوين آخرين لم يكشف عن هويتهما. وأشار إلى أن هذه اللجنة كانت تتولى اتخاذ القرارات السريعة نظراً لصعوبة التواصل المباشر مع القيادة العليا، وهو ما يعزز التساؤلات حول طبيعة الدور الفعلي الذي يمارسه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في إدارة شؤون البلاد اليومية.
الجذور التاريخية للجان المفاوضات السرية في طهران
لتفهم طبيعة هذه الآلية، أشار عراقجي إلى أن هذه اللجنة المصغرة لم تكن وليدة اللحظة، بل تشكلت تاريخياً بعد “حرب الأيام الـ 12”. وقد بدأت في مسارها الأول كلجنة معنية بالملف النووي الإيراني تحت رئاسة علي شمخاني، قبل أن تتحول لاحقاً إلى لجنة مفاوضات موسعة برئاسة علي لاريجاني. هذا السياق التاريخي يوضح كيف تعتمد طهران على دوائر صنع قرار ضيقة للغاية لإدارة الأزمات الكبرى وتفادي البيروقراطية المعقدة، خاصة في الأوقات التي تشهد تصعيداً عسكرياً أو دبلوماسياً مع القوى الغربية.
تأثيرات الحدث محلياً وإقليمياً ودولياً
على الصعيد المحلي، واجهت تصريحات عراقجي انتقادات لاذعة من وسائل الإعلام المقربة من التيار المحافظ والحرس الثوري. واعتبرت صحيفة “جوان” المقربة من الحرس الثوري أن المقابلة عرضت تفاصيل بالغة الحساسية والسرية حول كيفية إدارة الدولة خلال فترات الحرب، مؤكدة أن عراقجي تطرق إلى “أمور لم يكن ينبغي إعلانها”، مما دفع السلطات إلى حذف المقابلة بالكامل من المنصات الرقمية بعد ساعات من بثها.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تأكيد عدم لقاء وزير الخارجية بالمرشد يغذي التكهنات الدولية حول مدى تماسك هرم السلطة في إيران. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث يترقب المجتمع الدولي كيفية تعامل طهران مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل غياب تام للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي عن الظهور العلني أو توجيه رسائل مصورة منذ تعيينه مرشداً ثالثاً للنظام عقب مقتل والده وسلفه علي خامنئي في هجوم فبراير الماضي.


