spot_img

ذات صلة

هل يتراجع البريطانيون عن قرار بريكست بعد 10 سنوات؟

بعد مرور عقد من الزمن على الاستفتاء التاريخي الذي غيّر وجه القارة العجوز، يواجه قرار بريكست موجة غير مسبوقة من التشكيك الشعبي والسياسي داخل المملكة المتحدة. فبعد عشر سنوات من التصويت الذي أخرج بريطانيا من مظلة الاتحاد الأوروبي، تكشف أحدث الدراسات واستطلاعات الرأي عن تحول جوهري وعميق في المزاج العام البريطاني. هذا التحول يشير إلى أن الأغلبية العظمى من المواطنين باتت تنظر إلى الانفصال بعين الندم، وسط تساؤلات متزايدة حول إمكانية تصحيح هذا المسار التاريخي وإعادة بناء الجسور مع بروكسل.

الوعود الوردية والواقع الصادم بعد الاستفتاء

في يونيو من عام 2016، صوّت البريطانيون بنسبة 52% لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، مدفوعين بحملة دعائية ضخمة قادها تيار المحافظين واليمين القومي. تمحورت تلك الحملة حول وعود براقة باستعادة السيادة الكاملة، والسيطرة على الحدود الوطنية، وتقليص معدلات الهجرة، وضخ مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية في نظام الرعاية الصحية الوطني بدلاً من إرسالها إلى بروكسل.

ومع ذلك، فإن التجربة العملية على مدار السنوات الماضية أثبتت عكس ذلك تماماً. ونقلت صحيفة “إندبندنت” البريطانية عن البروفيسور السير جون كيرتيس، أحد أبرز خبراء استطلاعات الرأي والاتجاهات الانتخابية في المملكة المتحدة، تأكيده أن غالبية الناخبين باتوا يرون اليوم أن قرار بريكست لم يحقق الوعود التي بُني عليها. وأوضح كيرتيس أن هذا الاستنتاج يستند إلى مئات الاستطلاعات التي أُجريت على مدار العقد الماضي، والتي تظهر تراجعاً مستمراً ومستقراً في التأييد الشعبي للانفصال، مقابل رغبة متزايدة في إعادة بناء العلاقات مع التكتل الأوروبي.

تداعيات اقتصادية واجتماعية: كيف أثر قرار بريكست على معيشة البريطانيين؟

على الصعيد الاقتصادي، دفع المواطن البريطاني ثمناً باهظاً نتيجة مغادرة السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي. فقد تسببت الحواجز التجارية الجديدة في تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، ونقص حاد في العمالة في قطاعات حيوية مثل الزراعة والرعاية الصحية والضيافة. هذا الواقع الاقتصادي المتردي ساهم في زيادة معدلات التضخم وتكلفة المعيشة، مما جعل الكثيرين يشعرون بأن وضعهم المالي بات أسوأ بكثير مما كان عليه قبل عام 2016.

أما على صعيد ملف الهجرة، والذي كان الوقود الأساسي لحملة الخروج، فقد جاءت النتائج مخيبة لآمال المؤيدين. فرغم تراجع أعداد المهاجرين القادمين من دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن بريطانيا شهدت ارتفاعاً قياسياً غير مسبوق في أعداد الوافدين والمهاجرين من دول خارج الاتحاد الأوروبي لتلبية احتياجات سوق العمل. هذا التحول جعل قضية الهجرة دليلاً إضافياً لدى الناخبين على فشل الوعود الحكومية ومحدودية النتائج التي حققها الانفصال.

السياق التاريخي والجيوسياسي للانفصال البريطاني

لم يكن الخروج البريطاني مجرد حدث عابر، بل كان نتاج عقود من التشكيك الأوروبي داخل النخبة السياسية البريطانية، وتحديداً حزب المحافظين. منذ انضمام بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1973، ظلت العلاقة متوترة ومبنية على المصالح الاقتصادية دون الاندماج السياسي الكامل. وجاء استفتاء 2016 ليتوج هذا الصراع الطويل، مستغلاً أزمة المهاجرين في أوروبا وصعود التيارات الشعبوية عالمياً.

لكن هذا القرار أدى إلى هزات سياسية داخلية عنيفة، حيث تعاقب على رئاسة الوزراء عدة قادة في محاولة لإدارة ملف المفاوضات المعقد مع بروكسل، مما أدخل البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي لسنوات طويلة، قبل أن يستقر الحكم نسبياً بيد حزب العمال بقيادة كير ستارمر الذي يحاول الآن بحذر ترميم العلاقات التجارية مع أوروبا دون الحديث عن العودة الكاملة.

أهمية الحدث وتأثيره الإقليمي والدولي المستمر

تتجاوز أهمية مراجعة الانفصال الحدود البريطانية لتلقي بظلالها على الساحة الدولية بأكملها. محلياً، يواجه التماسك الداخلي للمملكة المتحدة اختباراً حقيقياً، حيث تجددت الدعوات في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية لإعادة النظر في علاقتهما مع لندن، مما يهدد وحدة المملكة.

إقليمياً، يراقب الاتحاد الأوروبي هذه التحولات باهتمام كبير. فرغم أن العودة الكاملة لبريطانيا إلى العضوية تبدو معقدة سياسياً وتتطلب إجماع الدول الأعضاء وشروطاً قاسية، إلا أن بروكسل ترحب بأي تقارب يعزز التعاون الأمني والدفاعي والتجاري، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة في أوروبا ومحيطها. ودولياً، أضعف الانفصال من مفهوم بريطانيا العالمية وقدرتها على صياغة اتفاقيات تجارية بديلة قوية مع قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، مما يجعل إعادة تقييم هذه التجربة أمراً حتمياً لرسم ملامح النظام الدولي الجديد.

مبادرات إعلامية تبحث عن طريق العودة

في إطار هذا التحول الشعبي، أطلقت صحيفة إندبندنت حملة إعلامية واسعة تحت عنوان “أوروبا: طريق العودة”، تهدف إلى فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل العلاقات البريطانية الأوروبية. تعكس هذه المبادرة رغبة متنامية داخل الأوساط الفكرية والسياسية للبحث عن صيغ تعاون جديدة ومبتكرة تشمل مجالات الأمن، والتجارة، والتعليم، والتنقل، والاستثمار.

وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية الكبرى في لندن، بما فيها حزب العمال الحاكم، تتجنب طرح فكرة العودة الكاملة للاتحاد الأوروبي تجنباً لفتح جراح الانقسام القديمة، إلا أن الضغوط الشعبية والاقتصادية المستمرة قد تجبر صناع القرار في المستقبل القريب على اتخاذ خطوات ملموسة نحو اندماج أكبر مع السوق الأوروبية، مما يثبت أن قصة بريكست لم تنتهِ فصولها بعد.

spot_imgspot_img