في العاصمة السعودية الرياض، أسدل الستار على مسيرة حافلة بالتحولات السياسية والعسكرية، مع إعلان وفاة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، الرجل الذي ارتبط اسمه بأكثر المراحل حساسية في تاريخ اليمن الحديث. لم يكن هادي مجرد رئيس عابر، بل كان محوراً لأحداث جسام، حيث وجد نفسه في قلب عاصفة الانقلاب المسلح الذي أطاح بمؤسسات الدولة ودفع بالبلاد إلى أتون حرب مدمرة لا تزال تداعياتها ماثلة حتى اليوم.
رحيل هادي يعيد إلى الواجهة سيرة رجل دولة تولى السلطة في ظرف استثنائي عام 2012، في أعقاب ثورة شعبية أطاحت بالرئيس علي عبد الله صالح، وبموجب المبادرة الخليجية التي هدفت إلى تحقيق انتقال سلمي للسلطة. كان يُنظر إليه حينها على أنه شخصية توافقية قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية، إلا أن التحديات كانت أكبر من التوقعات، حيث واجه بعد عامين فقط انقلاباً قادته جماعة الحوثي المدعومة من إيران، ليسيطروا على العاصمة صنعاء ويفرضوا عليه الإقامة الجبرية.
مسيرة عبدربه منصور هادي: من نائب الرئيس إلى رمز الشرعية
قبل وصوله إلى سدة الرئاسة، شغل عبدربه منصور هادي منصب نائب الرئيس لعلي عبد الله صالح منذ عام 1994، وهي فترة طويلة منحته خبرة عميقة بدهاليز السياسة اليمنية المعقدة. هذا الموقع جعله الخيار الطبيعي للمرحلة الانتقالية بعد 2011. لكن اللحظة الفارقة في مسيرته كانت قراره الحاسم بالخروج من الإقامة الجبرية في صنعاء والتوجه إلى عدن في فبراير 2015، حيث أعلن من هناك تراجعه عن استقالته التي قدمها تحت الضغط، مؤكداً استمرار شرعية الدولة اليمنية ورفضه للانقلاب.
نقطة التحول: مواجهة الانقلاب وتأسيس التحالف
من عدن، التي أعلنها عاصمة مؤقتة، أصبح هادي رمزاً للمقاومة ضد المشروع الحوثي. وفي مارس 2015، ومع تقدم الحوثيين نحو الجنوب، اتخذ هادي قراره الأكثر تأثيراً على الإطلاق، حين وجه طلباً رسمياً إلى دول مجلس التعاون الخليجي، بقيادة المملكة العربية السعودية، للتدخل عسكرياً لدعم الشرعية واستعادة الدولة. هذه الخطوة أدت إلى إطلاق عملية “عاصفة الحزم” وتشكيل “تحالف دعم الشرعية”، وهو ما غير مسار الأزمة بشكل جذري وحولها إلى صراع إقليمي واسع النطاق. طوال سنوات الحرب، ظل هادي متمسكاً بخيار الدولة ورافضاً منح الانقلاب أي غطاء سياسي، رغم الضغوط الهائلة والانقسامات التي عصفت بالمعسكر المناهض للحوثيين.
الإرث السياسي ونقل السلطة
في أبريل 2022، وفي خطوة مفاجئة، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، في محاولة لتوحيد الصفوف وتمهيد الطريق أمام حل سياسي شامل. وصف المقربون منه هذا القرار بأنه تعبير عن قناعته بأن بقاء الدولة ومؤسساتها أهم من بقاء الأشخاص في السلطة. برحيل عبدربه منصور هادي، يطوي اليمن صفحة رئيس ارتبطت فترة حكمه بالحرب والتحولات الكبرى، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً سيظل محل جدل ونقاش طويل حول قراراته المصيرية التي شكلت وجه اليمن المعاصر.


