تحولت منصات التواصل الاجتماعي، اليوم الخميس، إلى ساحة عزاء واسعة للرئيس اليمني السابق المشير الركن عبدربه منصور هادي، حيث نعاه رفاق دربه من كبار مسؤولي الدولة، مستذكرين مسيرته الحافلة بالتحديات وصبره في مواجهة الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي وأدخل البلاد في نفق مظلم. وقد أجمعت الشهادات على وصفه بالقائد الذي حمل أمانة المسؤولية في أحلك الظروف التي مرت بها اليمن.
تولى هادي السلطة في فبراير 2012 كرئيس توافقي خلفًا للرئيس علي عبد الله صالح، بموجب المبادرة الخليجية التي هدفت إلى إخراج اليمن من أزمة ثورة الشباب عام 2011. قاد هادي مرحلة انتقالية كان من المفترض أن تتوج بدستور جديد وانتخابات شاملة، ورعى مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي جمع مختلف الأطياف السياسية اليمنية لرسم مستقبل البلاد. لكن هذه المساعي اصطدمت بتوسع نفوذ جماعة الحوثي، التي اجتاحت العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 وفرضت حصارًا على الرئيس ومؤسسات الدولة، وصولًا إلى إعلان الانقلاب الكامل في أوائل 2015.
شهادات رفاقه في حق عبدربه منصور هادي
رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، كتب على حسابه في منصة «إكس»: «الرئيس هادي حفر اسمه كقائد شجاع، تصدر معركة الدفاع عن النظام الجمهوري، ووقف بثبات في مواجهة المشروع الإمامي الجديد، مؤمنًا بحق اليمنيين في الدولة العادلة، والحرية، والكرامة الإنسانية».
من جانبه، وصف رئيس الحكومة اليمنية الدكتور شائع الزنداني، الرئيس الراحل بـ«أحد رجال اليمن الشجعان» الذين حملوا مسؤولية الدولة في أصعب الظروف وأكثرها تعقيدًا. وأضاف: «ظل متمسكًا ومدافعًا عن الجمهورية والثوابت الوطنية، مؤمنًا بأن اليمن يستحق السلام والأمن والاستقرار»، موضحًا أنه كان له تأثير في لحظات التحول الكبرى، وتحمل بمسؤولية وطنية أعباء جسيمة بإخلاص وحكمة وصبر، وسيبقى اسمه مرتبطًا بمرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث.
بدوره، قال رئيس البرلمان اليمني سلطان البركاني: «أنعى الأخ والصديق الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي جمعتني به رحلةٌ طويلة من العمل الوطني والسياسي، وامتدت بيننا وشائجُ الصداقة ورفقةُ المسؤولية عبر عقودٍ من العمل المشترك في المؤتمر الشعبي العام، وفي محطات العمل السياسي والاستحقاقات الانتخابية النيابية والرئاسية، وصولًا إلى سنوات العمل في مؤسسات الدولة، حيث جمعتنا هموم الوطن وتحدياته الثقيلة». وأضاف البركاني: «لقد عرفتُه عن قرب، رجلًا هادئًا في طبعه، صبورًا في الشدائد، قليلَ الادعاء، كبيرَ الاحتمال، يحمل أعباء المسؤولية في ظروفٍ بالغة التعقيد، ويواجه من منعطفات اليمن ما تنوء بحمله الجبال».
مرحلة مفصلية في تاريخ اليمن
شكلت فترة رئاسة عبدربه منصور هادي منعطفًا حاسمًا في تاريخ اليمن المعاصر. فبعد هروبه من الإقامة الجبرية التي فرضها عليه الحوثيون في صنعاء ووصوله إلى عدن، أعلن تراجعه عن الاستقالة وتمسكه بالشرعية الدستورية، وهو الموقف الذي حظي بدعم إقليمي ودولي واسع، وتجسد في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216. وبناءً على طلبه، انطلق التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن في مارس 2015 لصد تمدد الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة.
طوال سنوات الحرب، ظل هادي رمزًا للشرعية المعترف بها دوليًا، وقاد الحكومة من منفاه في الرياض. وفي أبريل 2022، أعلن في خطوة تاريخية نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، بهدف توحيد الصفوف واستكمال متطلبات المرحلة الانتقالية. وبرحيله، يطوي اليمن صفحة من تاريخه المعقد، صفحة قائد ارتبط اسمه بمحاولة إنقاذ المسار الديمقراطي والدفاع عن الجمهورية في وجه واحد من أعنف الانقلابات في تاريخ المنطقة.
القيادي علي محسن الأحمر، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس الراحل، عبر عن حزنه بالقول: «وبرحيل (الرئيس هادي) فقد الوطن اليوم مناضلًا جسورًا من الرعيل الأول الذين قارعوا الاستعمار، ورمزًا من رموز ثورة الـ14 من أكتوبر الذين سطروا بتضحياتهم فجر الحرية والاستقلال». وأضاف: «وإني أودع رفيقي، أتذكر في صفحات العمر مسيرة 40 عامًا كاملةً من الزمالة والصداقة».


