يُعد الدكتور وليد قطان أحد أبرز الأسماء التي رسمت ملامح الإدارة الإعلامية الحديثة في المؤسسات الصحفية السعودية. فقد جمع بين الرؤية الإدارية الصلبة والخبرة التسويقية العميقة، ليقدم نموذجاً متكاملاً للإداري الناجح القادر على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية، وبناء منظومات عمل مستدامة داخل بيئة إعلامية سريعة التغير.
تطور الصحافة السعودية وبدايات التأسيس
لفهم القيمة الحقيقية للإنجازات التي حققها، يجب النظر إلى السياق التاريخي للصحافة السعودية خلال العقدي الثامن والتاسع من القرن الماضي. في تلك الفترة، كانت المؤسسات الصحفية تعتمد بشكل كبير على الأساليب التقليدية في الإدارة والتوزيع. ومع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها المملكة العربية السعودية، برزت الحاجة الماسة إلى قيادات إدارية قادرة على مواكبة هذا النمو وتحويل الصحف من مجرد منابر إعلامية إلى كيانات اقتصادية مؤسسية. وفي هذا السياق، وُلد قطّان في مدينة جدة عام 1955، وتلقى تعليمه الأولي فيها، قبل أن يلتحق بجامعة القاهرة العريقة، حيث نال درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1978. هذا التخصص الأكاديمي شكّل قاعدة معرفية متينة ساعدته لاحقاً في فهم التداخل العميق بين الاقتصاد والإعلام.
رحلة الصعود في مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر
التحق قطّان بمؤسسة عكاظ في عام 1980، ليبدأ رحلة مهنية استثنائية امتدت لـ 38 عاماً، اتسمت بالتدرج والتمكن. تنقل خلالها بين عدد من المناصب الإدارية الحيوية، بدءاً من الشؤون الإدارية، مروراً بإدارة التوزيع، وصولاً إلى الإشراف الكامل على العلاقات العامة والإيرادات والتسويق. وفي محطة مفصلية من تاريخ المؤسسة، أسّس جهاز التسويق، وهي خطوة استراتيجية عززت قدرة “عكاظ” على تنويع مصادر الدخل، ومكّنتها من التكيف مع التحولات المتسارعة في سوق الإعلام المحلي والإقليمي. تدرج لاحقاً ليصبح مساعداً للمدير العام، ثم نائباً للمدير العام لتنمية الموارد المالية، قبل أن يتولى منصب مدير عام المؤسسة في عام 2002، ليقود مرحلة حاسمة من التطوير المؤسسي.
التأثير الإقليمي والدولي لجهود الدكتور وليد قطان
لم يقتصر تأثير الدكتور وليد قطان على النطاق المحلي داخل المملكة، بل امتد ليشمل الساحتين الإقليمية والدولية. فقد ارتبطت فترة قيادته لـ«عكاظ» بنقلة نوعية على مستوى الأداء المؤسسي، مما أسهم في تعزيز حضور المؤسسة في سوق تنافسية شديدة التغير. على الصعيد الإقليمي، أسهم في وضع معايير جديدة للإعلان والتسويق الصحفي في دول الخليج، وهو ما تجلى في عضويته بمجلس إدارة جمعية الإعلان لدول مجلس التعاون الخليجي. أما دولياً، فقد مثّل “عكاظ” في العديد من المؤتمرات والندوات العالمية، وشغل عضويات بارزة منها الهيئة الدولية للإعلان، وعضويات في جهات تابعة لليونسكو. هذا الحضور الدولي ساهم في نقل أفضل الممارسات العالمية إلى بيئة العمل الصحفي السعودي.
دمج الخبرة الأكاديمية بالاستثمار الإعلامي
إلى جانب عمله الإعلامي الميداني، أدرك أهمية التطوير الأكاديمي المستمر. فقد حصل على درجة الماجستير في إدارة الجودة عام 2007 من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ثم تُوج مساره الأكاديمي بالحصول على درجة الدكتوراه في جودة المنشآت الصحفية عام 2009. هذا المزيج بين الخبرة العملية والبحث الأكاديمي جعله خبيراً معتمداً لدى “الاتحاد العام للخبراء العرب” منذ عام 2018. كما يشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارة “قطّان ميديا” في المملكة، مما يؤكد استمرارية عطائه في مجال الاستثمار الإعلامي.
إرث إداري ومدرسة في العمل المؤسسي
عاصر خلال مسيرته الطويلة عدداً من القيادات التحريرية البارزة، من بينهم الدكتور إياد مدني، والدكتور هاشم عبده هاشم، وصولاً إلى رئيس التحرير الحالي جميل الذيابي. وقد عكست هذه التجربة تكاملاً فريداً بين أدوار الإدارة والتحرير. تمثل تجربة وليد قطّان اليوم نموذجاً يُحتذى به للإداري الذي صعد من داخل المؤسسة وتدرج في مفاصلها حتى بات جزءاً لا يتجزأ من هويتها. لقد أسهمت رؤيته في ترسيخ مفهوم الإدارة الإعلامية المتكاملة، التي توازن ببراعة بين جودة المحتوى والاستدامة المالية، وتستجيب لتحولات السوق دون التفريط في الثوابت المهنية، لتبقى مسيرته واحدة من أهم التجارب في تاريخ الصحافة السعودية.


