شهدت الأوساط الرياضية والسياسية في بريطانيا موجة عارمة من الجدل عقب تصاعد الدعوات التي تطالب بـ انفصال إنجلترا عن فيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم). وتأتي هذه التحركات السياسية المفاجئة بقيادة حزب الديمقراطيين الأحرار، الذي دعا الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم والاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا) إلى إعادة تقييم شاملة لعلاقتهما بالمنظمة الدولية، متهمين إياها بالانحراف عن قيم النزاهة والشفافية التي يجب أن تحكم اللعبة الشعبية الأولى في العالم.
أبعاد سياسية ورياضية وراء دعوات انفصال إنجلترا عن فيفا
طالب السير إد ديفي، زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، بإجراء إصلاحات جذرية وشاملة في هيكلية إدارة كرة القدم العالمية. وأوضح ديفي أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يعد يمثل المصالح الحقيقية للجماهير واللاعبين على حد سواء، داعياً إلى تأسيس هيئة دولية بديلة تتسم بالشفافية والاستقلالية الكاملة. وجاءت هذه التصريحات النارية في أعقاب قرارات مثيرة للجدل اتخذتها الفيفا مؤخراً، كان أبرزها إلغاء عقوبة إيقاف لاعب أمريكي بعد تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما اعتبرته الأوساط الأوروبية تدخلاً سياسياً سافراً وتجاوزاً غير مسبوق للقوانين الرياضية المعمول بها عالمياً.
الجذور التاريخية للعلاقة المتوترة بين مهد كرة القدم والاتحاد الدولي
تاريخياً، لم تكن العلاقة بين إنجلترا -باعتبارها مهد كرة القدم الحديثة ومؤسسة قوانينها- والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خالية من التوترات. فمنذ تأسيس الفيفا في عام 1904، غابت بريطانيا عن النسخ الأولى من كأس العالم بسبب خلافات حول السيادة الرياضية وإدارة اللعبة، ولم تنضم بشكل كامل إلا في وقت لاحق. هذا الإرث التاريخي يجعل من التلويح بالانفصال اليوم خطوة ذات دلالات عميقة، تعيد إلى الأذهان رغبة الإنجليز الدائمة في الحفاظ على استقلالية قرارهم الرياضي بعيداً عن الهيمنة المركزية للمنظمة الدولية التي يقع مقرها في سويسرا.
تداعيات كارثية محتملة على الساحة المحلية والدولية
على الرغم من الجاذبية السياسية والشعبية لهذه المطالب في بريطانيا، إلا أن الخبراء يحذرون من أن الإقدام الفعلي على خطوة الانفصال سيترتب عليه تداعيات كارثية على الرياضة الإنجليزية. فمن الناحية القانونية والتنظيمية، قد يؤدي الخروج من مظلة الفيفا إلى حرمان المنتخب الإنجليزي (الأسود الثلاثة) من المشاركة في بطولة كأس العالم، بالإضافة إلى استبعاد الأندية الإنجليزية العملاقة من المسابقات الأوروبية والقارية مثل دوري أبطال أوروبا. كما أن هذا القرار قد يهدد الاستثمارات الضخمة في الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليج)، الذي يعتمد بشكل كبير على اللاعبين الدوليين الذين يحتاجون إلى غطاء قانوني معترف به دولياً للانتقال واللعب.
انتقادات حادة للسياسات التجارية وتمديد ولاية إنفانتينو
ولم تقتصر الانتقادات الموجهة للفيفا على التدخلات السياسية فحسب، بل امتدت لتشمل السياسات التجارية المثيرة للجدل. فقد انتقد حزب الديمقراطيين الأحرار بشدة نظام “التسعير المتغير” الذي تتبعه الفيفا في بيع تذاكر المباريات، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار أثقل كاهل المشجعين البسطاء. كما تم تسليط الضوء على استغلال المنظمة لبعض الإجراءات التنظيمية لخدمة مصالح إعلانية وتجارية بحتة، إلى جانب حالة الاستياء العام من التوجه نحو تمديد ولاية رئيس الاتحاد الحالي، جياني إنفانتينو، وهو ما يراه المنتقدون ترسيخاً لسياسة الاحتكار وغياب التداول الديمقراطي للسلطة داخل المنظومة الرياضية الأكبر في العالم.


