شهدت الأروقة السياسية في الاتحاد الأوروبي تحركاً دبلوماسياً متسارعاً، حيث طالبت 22 دولة عضواً بعقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية لبحث التداعيات الأمنية والإنسانية الناتجة عن أزمة سبتة الأخيرة. وجاء هذا التحرك عقب التدفق الكبير والمفاجئ لآلاف المهاجرين غير النظاميين نحو الجيب الإسباني الواقع شمال القارة الأفريقية، مما أثار مخاوف واسعة النطاق داخل التكتل الأوروبي بشأن استقرار حدوده الخارجية وقدرته على إدارة ملف الهجرة بشكل جماعي وموحد.
تداعيات أزمة سبتة والتحرك الإيطالي الدنماركي المشترك
وفقاً لتقرير نشرته شبكة “يورونيوز”، فقد تبلور هذا التحرك الجماعي في رسالة رسمية صاغتها كل من إيطاليا والدنمارك، تدعو إلى تنظيم مؤتمر استثنائي عاجل عبر تقنية الاتصال المرئي. وتهدف هذه المبادرة إلى إجراء تقييم أمني مشترك للأوضاع الميدانية على الحدود الإسبانية-المغربية، والاتفاق على استراتيجية أوروبية موحدة للتعامل مع تدفقات الهجرة. وأعربت الدول الموقعة عن قلقها البالغ من وصول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة، على الرغم من تأكيدات الحكومة الإسبانية بإعادة غالبية العابرين إلى المغرب فوراً.
الجذور التاريخية لملف الهجرة عبر الجيبين الإسبانيين
تمثل مدينتا سبتة ومليلية حالة فريدة في الجغرافيا السياسية العالمية، إذ تشكلان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة الأفريقية. وتاريخياً، كانت هاتان المدينتان الخاضعتان للسيادة الإسبانية على الساحل الشمالي للمغرب بؤرة مستمرة للتوترات المرتبطة بالهجرة غير النظامية. وعلى مدى العقود الماضية، شهدت السياجات الحدودية المحيطة بالمدينتين محاولات اقتحام جماعية متكررة من قبل مهاجرين ينحدرون من دول الساحل وجنوب الصحراء، مما يضع العلاقات الدبلوماسية بين مدريد والرباط دائماً تحت المجهر، ويجعل من ملف إدارة الحدود قضية أمنية معقدة تتجاوز البعد المحلي إلى الفضاء الأوروبي الأشمل.
انقسام أوروبي حول سياسات الدمج وضبط الحدود
أعادت التطورات الأخيرة إشعال الخلافات العميقة داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية تقاسم أعباء الهجرة. وقد انتقدت الرسالة الأوروبية الموجهة إلى القيادة العليا للتكتل خطط الحكومة الإسبانية الرامية لتسوية أوضاع بعض المهاجرين غير النظاميين المقيمين على أراضيها، معتبرة أن مثل هذه الخطوات الإدارية تمثل “عامل جذب” يشجع المزيد من الأفراد على خوض غمار الهجرة غير النظامية. وفي المقابل، رفضت مدريد هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكدة عدم وجود أي صلة بين إجراءاتها التنظيمية الداخلية والتدفقات الأخيرة.
من جانبه، وجه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، انتقادات لاذعة لشركائه الأوروبيين، واصفاً التضامن المشترك بأنه “ضعيف وغير كافٍ”. ويرى سانشيز أن دول المواجهة الأمامية في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، تتحمل العبء الأكبر لحماية القارة دون دعم حقيقي ومستدام من بقية الأعضاء. وتطالب الدول الـ22 الموقعة على الرسالة ببحث إجراءات استثنائية تشمل تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية، أو حتى إعادة فرض قيود مؤقتة على الحدود الداخلية بين دول أعضاء “شنغن” لمواجهة حالات الطوارئ.
تم توجيه هذه الرسالة العاجلة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيس الوزراء الأيرلندي ميشال مارتن، تزامناً مع تولي أيرلندا الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي. ويترقب المراقبون ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من قرارات، حيث من المتوقع أن ترسم نتائج هذا الاجتماع الطارئ ملامح السياسة الأمنية الأوروبية الجديدة تجاه ملف الهجرة واللجوء، ومدى قدرة العواصم الأوروبية على صياغة رد موحد يحمي حدودها دون التضحية بالتزاماتها الإنسانية الدولية.


