تجددت أزمة الطاقة في البلاد بشكل متسارع، حيث تسبب انقطاع الكهرباء في ليبيا في إغراق مناطق واسعة من شرق البلاد وأجزاء من الجنوب والغرب في ظلام دامس، مما زاد من معاناة المواطنين اليومية في ظل الارتفاع الحاد لدرجات الحرارة خلال فصل الصيف. وقد طال هذا الانقطاع المفاجئ معظم المناطق الشرقية بالتزامن، مما أثار موجة عارمة من الاستياء الشعبي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حول فاعلية الخطط الحكومية الموضوعة لإدارة قطاع الطاقة المتهالك.
جذور أزمة الطاقة وتدهور البنية التحتية
تعد مشكلة الكهرباء في ليبيا إرثاً ثقيلاً يمتد لأكثر من عقد من الزمن، وتحديداً منذ عام 2011. فقد عانت الشبكة الكهربائية الوطنية من غياب الصيانة الدورية، وتوقف المشاريع الاستراتيجية لإنشاء محطات توليد جديدة نتيجة للاضطرابات الأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد. بالإضافة إلى ذلك، أدى الانقسام المؤسسي بين شرق البلاد وغربها إلى تشتيت الجهود والميزانيات المخصصة لتطوير هذا القطاع الحيوي، مما جعل الشبكة عرضة للانهيار التام عند حدوث أي ضغط زائد أو عطل فني بسيط في خطوط الإمداد الرئيسية.
تفاصيل العطل الأخير والتحركات الفنية العاجلة
جاء التدهور الأخير في الشبكة إثر خروج عدة محطات توليد عن الخدمة بشكل مفاجئ، وتعرض بعض خطوط نقل الطاقة لأعطال فنية طارئة. وفي محاولة للسيطرة على الموقف، أعلنت وزارة الكهرباء في الحكومة المكلفة بشرق ليبيا أن الفرق الفنية والهندسية تبذل جهوداً مضاعفة لإعادة تشغيل المحطات المتضررة وإدخالها الخدمة تدريجياً. وفي سياق متصل، أكدت الشركة العامة للكهرباء وصول وحدة توليد جديدة إلى ميناء طرابلس تمهيداً لتركيبها، وهي خطوة تهدف إلى دعم الشبكة وتفادي حالات الانهيار الكامل مستقبلاً. يذكر أن البلاد شهدت قبل أيام وتحديداً في 18 يوليو الماضي، هبوطاً حاداً في الإنتاج أدى إلى فقدان نحو 1350 ميغاوات، مما تسبب في انقطاع التيار عن معظم المدن الليبية.
الأبعاد السياسية والاجتماعية لاستمرار انقطاع الكهرباء في ليبيا
لم تعد مسألة الكهرباء مجرد أزمة خدمية عابرة، بل تحولت إلى محرك أساسي للاحتجاجات الشعبية والعصيان المدني، لا سيما في مدن غرب ليبيا. فقد قام محتجون غاضبون بإغلاق طرق رئيسية ومقار حكومية، مطالبين برحيل حكومة الوحدة الوطنية وتحسين الخدمات الأساسية التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، فإن عدم استقرار قطاع الطاقة في ليبيا يلقي بظلاله على استقرار البلاد السياسي والأمني، وهو ما يثير قلق القوى الدولية المهتمة بملف الهجرة والنفط، حيث إن انقطاع التيار قد يؤثر أحياناً على عمليات تشغيل الحقول والموانئ النفطية، مما ينعكس سلباً على إمدادات الطاقة العالمية.
البحث عن حلول جذرية ومستدامة
يطالب الخبراء والمواطنون على حد سواء بضرورة الانتقال من مرحلة الحلول الإسعافية المؤقتة إلى وضع استراتيجية وطنية شاملة لإصلاح قطاع الطاقة. ويشمل ذلك الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية التي تمتلك فيها ليبيا مقومات هائلة، إلى جانب توحيد إدارة الشركة العامة للكهرباء بعيداً عن التجاذبات السياسية، لضمان توزيع عادل ومستقر للتيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد.


