كشفت وسائل إعلام غربية بارزة، اليوم الخميس، عن وجود تحركات أوروبية جادة تهدف إلى وضع خطط استراتيجية بالتعاون مع كييف، تسعى في مجملها إلى جر بوتين إلى طاولة التفاوض لإنهاء الأزمة المستمرة. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية من عمر الصراع، حيث يُنظر إلى هذه الجهود الدبلوماسية على أنها زخم قوي يدعم موقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ويعزز من أوراق القوة التي يمتلكها في مواجهة موسكو.
جذور الصراع وخلفية المساعي الدبلوماسية المتعثرة
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير من عام 2022، شهدت الساحة الدولية محاولات متعددة لإيجاد مخرج دبلوماسي للأزمة. ورغم جولات التفاوض الأولية التي عُقدت في بيلاروسيا وتركيا في الأشهر الأولى من الحرب، إلا أن تلك الجهود سرعان ما انهارت نتيجة تباين الشروط وتمسك كل طرف بمواقفه السيادية والميدانية. ومع تحول المواجهات إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تزايدت الحاجة الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة تفاوضية جديدة تنهي المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على العالم بأسره.
وفي هذا السياق التاريخي، تقود القوى الأوروبية الكبرى اليوم مبادرة جديدة لكسر حالة الجمود السياسي. ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة أن مسؤولين من أكبر ثلاثة اقتصاديات في أوروبا، وهي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (مجموعة E3)، ناقشوا بشكل مكثف إمكانية إطلاق محادثات سلام تشمل الطرفين الروسي والأوكراني، وبحثوا هذه المقترحات مع نظرائهم في كييف، في محاولة لإعادة صياغة مسار الحل الدبلوماسي بعيداً عن التعثر الذي أصاب المبادرات السابقة التي تقودها الولايات المتحدة.
أبعاد الضغط العسكري ودورها في جر بوتين إلى طاولة التفاوض
ترى العواصم الأوروبية أن التطورات الميدانية الأخيرة قد تشكل فرصة سانحة للضغط على الكرملين. فمع استمرار حالة الجمود على خطوط المواجهة الأمامية وتكبد القوات الروسية خسائر بشرية ومادية متزايدة، إلى جانب نجاح القوات الأوكرانية في تنفيذ ضربات نوعية باستخدام الطائرات المسيرة في عمق الأراضي الروسية، باتت هناك قناعة أوروبية بإمكانية جر بوتين إلى طاولة التفاوض تحت وطأة هذه الضغوط المتصاعدة.
محلياً وإقليمياً، فإن نجاح هذه التحركات قد يسهم في استقرار القارة الأوروبية التي تعاني من أزمات طاقة وتضخم حاد نتيجة الحرب. أما دولياً، فإن إنهاء هذا الصراع سيعيد ترتيب التوازنات الجيوسياسية، خاصة مع وجود إدارة أمريكية جديدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يعلن باستمرار عن رغبته في إنهاء الحرب سريعاً. وتأمل الدول الأوروبية أن يؤدي التنسيق المشترك مع واشنطن إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وعسكرية قصوى تجبر موسكو على تقديم تنازلات حقيقية.
تنسيق أوروبي رفيع وعقبات على طريق السلام
تشير التقارير إلى أن الأيام المقبلة ستشهد مباحثات رفيعة المستوى بين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني المرشح فريدريش ميرتس، لتنسيق المواقف وتوحيد الرؤية الأوروبية. ورغم هذا الحماس الأوروبي، إلا أن هناك عقبات حقيقية تواجه هذه المبادرة؛ حيث يرى منتقدون داخل الأوساط الأوروبية أن التوقيت قد لا يكون مناسباً، نظراً لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يظهر حتى الآن أي بادرة جدية للسلام، ولا يزال يتمسك بشروط قاسية تشمل التنازل عن أراضٍ أوكرانية واسعة لا تسيطر عليها موسكو بالكامل.
وفي نهاية المطاف، تؤكد المصادر الأوروبية أن القرار النهائي للمضي قدماً في أي مسار تفاوضي يظل بيد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحده، حيث لن تمارس الدول الأوروبية أي ضغوط عليه للقبول باستراتيجية لا تحظى بموافقته الكاملة، مؤكدة في الوقت ذاته على ضرورة الاستمرار في تزويد كييف بأنظمة الدفاع الجوي المتطورة مثل «باتريوت» لتعزيز موقفها الدفاعي والتفاوضي في مواجهة القصف الروسي المستمر للمدن الأوكرانية.


