spot_img

ذات صلة

تحذير خطيب المسجد الحرام: الحكمة والوعي لمواجهة الفتن الإعلامية

في خطبة جامعة ومؤثرة، ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام، دعا المسلمين إلى تقوى الله عزّ وجلّ واغتنام مواسم الخير والطاعات، مؤكدًا على مكانة فريضة الحج كأعظم شعائر الإسلام التي تتجلى فيها معاني الهداية والبركة في رحاب البيت الحرام. وقد تضمنت الخطبة تحذير خطيب المسجد الحرام من مخاطر جسيمة تهدد وحدة الأمة واستقرارها، مشددًا على ضرورة اليقظة والوعي في مواجهة التحديات المعاصرة.

مكانة الحرمين الشريفين ودورهما في وحدة الأمة

تُعد مكة المكرمة والمسجد الحرام قلب العالم الإسلامي النابض، ومهوى أفئدة الملايين من المسلمين حول العالم. فمنذ فجر الإسلام، كانت مكة مهبط الوحي ومبعث الأنبياء، وفيها أُسس أول بيت وضع للناس لعبادة الله، مصداقًا لقوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ). هذه المكانة التاريخية والروحية تمنح الحرمين الشريفين دورًا محوريًا في توجيه الأمة وتوحيد صفوفها، حيث يمثلان منارة للإرشاد والتوجيه الديني. وقد أوضح الشيخ السديس أن من أعظم خصائص البيت العتيق ما اختصه الله به من الأمن والطمأنينة، مستشهدًا بقوله سبحانه: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)، وقوله جلّ وعلا: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، مؤكدًا أن هذا الأمن راسخ بحكم الله إلى يوم القيامة، كما جاء في حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة». هذا الأمن الروحي والمادي هو أساس استقرار الأمة وسلامتها.

تحذير خطيب المسجد الحرام: دعوة للحكمة والوعي في مواجهة الفتن

في جزء حيوي من خطبته، نبّه الدكتور السديس إلى أهمية وعي الأمة الإسلامية بما تتعرض له من حملات مضللة ودعوات فتنة، مؤكدًا أن المرحلة تتطلب التثبت والحكمة واجتماع الكلمة، وتعزيز الوعي بمكانة الحرمين الشريفين بوصفهما قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. هذا تحذير خطيب المسجد الحرام يأتي في سياق عالمي تتزايد فيه التحديات، حيث تستغل بعض الجهات وسائل الإعلام الحديثة لنشر الشائعات والأكاذيب، بهدف زعزعة الاستقرار وتفريق الصفوف. إن هذه الحملات الإعلامية المعادية لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تسعى إلى تشويه الحقائق الدينية والتاريخية، وبث الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة. لذا، فإن دعوة الشيخ السديس إلى الدقة والحكمة والتحقق من المعلومات تمثل حصنًا منيعًا ضد هذه المخططات، وتؤكد على دور العلماء في حماية المجتمع من الانجراف وراء الدعوات الهدامة التي لا تخدم إلا أعداء الإسلام والمسلمين. إن الالتزام بالمنهج الشرعي القويم والرجوع إلى أهل العلم الراسخين هو السبيل الوحيد لتجاوز هذه التحديات بسلام.

الحج: فريضة عظيمة ومسؤولية جسيمة

تطرق الشيخ السديس إلى فريضة الحج، مؤكدًا أنها عبادة عظيمة تقوم على تحقيق التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، امتثالًا لقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)، والاقتداء بهدي النبي صلّى الله عليه وسلّم. وبين أن من أعظم ثمراته ما ورد في الحديث الصحيح: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وشدد فضيلته على ضرورة تعظيم حرمة المكان، واستحضار قدسيته، واجتناب كل ما ينافي مقاصد الشريعة، مؤكدًا أن البيت الحرام أحاطه الله بسياج من الهيبة والتعظيم، فلا يُعتدى فيه، ولا يُفسد، ولا يُروّع فيه آمن، امتثالًا لقول الله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). كما دعا حجاج بيت الله الحرام إلى شكر الله تعالى على نعمة الوصول إلى هذه البقاع المقدسة، والتحلي بحسن الخلق، وجعل ذلك عنوانًا لسلوكهم، مع الحث على التعاون، ومساعدة الضعفاء، والالتزام بالسكينة والرفق، وتجنب التزاحم والتدافع. وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام أهمية الالتزام بالأنظمة والتعليمات المنظمة للحج، ومن ذلك أداء الفريضة بتصريح، تحقيقًا للمقاصد الشرعية في حفظ الأنفس وتنظيم الحشود، مشيدًا بجهود الجهات المعنية في خدمة ضيوف الرحمن، وما تبذله من أعمال تنظيمية وأمنية تسهم في تيسير أداء المناسك، سائلًا الله تعالى أن يحفظ حجاج بيته الحرام، وأن يتم عليهم مناسكهم بالأمن واليسر، وأن يديم على المملكة نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق ولاة الأمر لكل ما فيه خدمة الإسلام والمسلمين.

السعي في الحياة: بين المقاصد الصادقة والجهد الضائع

وفي سياق متصل بتوجيه الأمة نحو الصلاح والتقوى، أوصى إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي، المسلمين بتقوى الله تعالى، وطاعة المولى الكريم للفوز بالمغفرة والأجر العظيم، مستشهدًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا). وأوضح فضيلته أن حركة الحياة مليئة بالسعي والعمل، وأن هذا السعي وإن تشابه في الظاهر، إلا أنه يختلف في المقاصد والنيات، فمنه ما هو للدنيا ومنه ما هو للآخرة. وأكد أن السعي في الإسلام ليس محصورًا في العبادات الظاهرة، بل يشمل كل جوانب حياة الإنسان وعمله وتجارته وتعليمه وعلاقاته، وأن الذي يرفع العمل أو يضعه هو الوجهة التي يتجه إليها القلب. فالسعي الحميد هو الذي يتجه إلى الله بنية صالحة، فيتحول العمل الدنيوي إلى عبادة مباركة، بينما السعي الضائع هو الذي يكثر فيه التعب وتغيب عنه النية الصادقة. ودعا فضيلته إلى صدق القلب وتقويم الوجهة والسعي للآخرة سعيًا منضبطًا على هدي الشرع، بإيمان يحيي العمل ويبارك أثره، مستحضرًا النداء الرباني: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، ليجعل المسلم حياته كلها لله.

خاتمة: دعوة للوحدة واليقظة

تؤكد خطبتا الحرمين الشريفين على أهمية الوحدة واليقظة في مواجهة التحديات المعاصرة، سواء كانت داخلية تتعلق بسلامة أداء العبادات، أو خارجية تتمثل في حملات التضليل الإعلامي. إن رسالة الأئمة من أطهر بقاع الأرض هي دعوة متجددة للمسلمين للتمسك بالقيم الإسلامية الأصيلة، والتحلي بالحكمة والتبصر، والعمل الصالح بنية خالصة، لضمان استقرار الأمة وتقدمها في ظل التحديات المتزايدة.

spot_imgspot_img