كشفت تقارير صحفية دولية، أبرزها ما نشرته وكالة “أسوشيتد برس”، عن تصاعد حدة الخلافات والتباينات السياسية والأيديولوجية في طهران، حيث بات الانقسام الإيراني الداخلي يطفو على السطح بشكل غير مسبوق حول كيفية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة ورسم ملامح المرحلة المقبلة. ورغم محاولات النظام الحثيثة لتصدير صورة متماسكة ووحدة الصف أمام المجتمع الدولي، إلا أن الكواليس السياسية تشهد صراعاً محتدماً بين تيارين رئيسيين: تيار متشدد يرفض أي شكل من أشكال التفاوض، وتيار براغماتي يرى في الدبلوماسية مخرجاً للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
جذور الخلافات السياسية في أروقة طهران
يعود هذا التباين في الرؤى إلى عقود من الصراع الداخلي حول هوية الجمهورية الإسلامية وموقعها في النظام الدولي. منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ظل التوتر بين المحافظين والإصلاحيين أو البراغماتيين سمة بارزة في السياسة الإيرانية. وتعمق هذا الشرخ مع فرض العقوبات الاقتصادية المتتالية، لا سيما بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتبنى حالياً سياسات ضغط صارمة تجاه طهران. هذا الإرث التاريخي من العقوبات والعزلة جعل من ملف العلاقات مع واشنطن قضية وجودية تحدد مصير النظام واستقراره الداخلي.
جبهة المتشددين وشعار “النصر الكامل”
يقود التيار المتشدد في الوقت الراهن أعضاء جبهة “بايداري” (الثبات)، وهي حركة أيديولوجية متطرفة تسعى لفرض قبضة حديدية على المجتمع الإيراني وترفض تقديم أي تنازلات للغرب. يروج هذا التيار، مستفيداً من نفوذه الواسع في هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية والمنابر الشعبية، لمفهوم “النصر الكامل” العسكري، معتبراً أن أي تراجع أو تفاوض هو استسلام غير مقبول. وقد تجلى هذا النفوذ مؤخراً في التضييق الاجتماعي وإغلاق المقاهي في العاصمة طهران، فضلاً عن الهتافات التي شهدتها الجنازات الرسمية ضد دعاة التهدئة، وقطع بث كلمات المسؤولين البراغماتيين عند حديثهم عن الحوار.
البراغماتية السياسية في ظل الانقسام الإيراني الداخلي
في المقابل، يمثل الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الجناح البراغماتي الذي يحاول الموازنة بين القوة العسكرية والدبلوماسية. يرى هذا المعسكر أن الضغط العسكري ليس غاية بحد ذاته، بل ورقة تفاوضية قوية لانتزاع اتفاق شامل مع واشنطن يضمن رفع العقوبات الاقتصادية القاسية والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة. ويحذر هذا التيار من أن استمرار المواجهة المفتوحة سيفاقم الأزمات المعيشية، في ظل تدهور قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، مما قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي وشيك، خاصة مع توقيع مئات الأكاديميين ورجال الدين على عرائض تطالب بإنهاء الحرب.
تداعيات الصراع على مستقبل السلطة والمنطقة
لا تقتصر أهمية هذا الصراع على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل صياغة مستقبل السلطة في إيران لمرحلة ما بعد الحرب. يأتي هذا التنافس المحموم في وقت حساس للغاية يتسم بالغموض حول موقف المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي يبتعد حالياً عن الظهور العلني بعد إصابته في الهجوم الذي أودى بحياة والده علي خامنئي. محلياً، سيحدد الفائز في هذا الصراع شكل السياسات الاجتماعية والاقتصادية وحجم الحريات العامة. إقليمياً ودولياً، فإن ترجيح كفة المتشددين قد يدفع بالمنطقة نحو حرب إقليمية شاملة ومواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين أن انتصار البراغماتيين قد يمهد الطريق لتهدئة نسبية وإعادة إحياء المسار الدبلوماسي مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحالية.

