شهدت الساحة الرياضية العالمية تطوراً دراماتيكياً بعدما دخلت الرئاسة الفرنسية بشكل مباشر على خط أزمة فيفا المتفاقمة. وجاء هذا التحرك بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أجرى اتصالات مكثفة ومباشرة مع أطراف النزاع، في خطوة تهدف إلى نزع فتيل الخلاف وزيادة الضغوط على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، بشأن طريقة إدارته للمرحلة الحالية ومستقبل اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
أبعاد سياسية ودبلوماسية تعيد رسم ملامح أزمة فيفا
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “ليكيب” الفرنسية الشهيرة، فإن انخراط ماكرون شخصياً في هذا الملف الحساس لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بعدما استشعر قصر الإليزيه أن تداعيات الخلاف تجاوزت المستطيل الأخضر لتأخذ أبعاداً سياسية ودبلوماسية معقدة. هذا التدخل الرئاسي يعيد إلى الأذهان الموقف الحازم الذي اتخذه ماكرون في عام 2021 عندما عارض بشدة مشروع “السوبر ليغ” الأوروبي، مدافعاً آنذاك عن مبادئ التضامن الرياضي والاستحقاق القائم على الجدارة، وهو ما يتكرر اليوم في مواجهة المساعي التجارية الجديدة للاتحاد الدولي.
جذور الخلاف: مشروع “فيفا فوروارد إنتربرايز” المثير للجدل
وتعود جذور الأزمة الراهنة إلى خطة طرحها “فيفا” لتأسيس شركة تجارية تابعة له تحمل اسم “فيفا فوروارد إنتربرايز” (FIFA Forward Enterprises). وكان الهدف من هذه الشركة هو السماح لمستثمرين من القطاع الخاص بامتلاك حصة تصل إلى 20% من أسهمها، لتتولى إدارة الحقوق التجارية لبطولات الاتحاد الدولي الكبرى، وعلى رأسها بطولة كأس العالم بنظامها الجديد، وكأس العالم للأندية. ووفقاً للخطط الموضوعة، كان الاتحاد الدولي يطمح لجمع نحو 4.2 مليار دولار من هذه الصفقة. إلا أن المعارضة الشرسة والانقسامات الحادة التي أحدثها المشروع داخل أسرة كرة القدم العالمية أجبرت “فيفا” على التراجع عنه وإلغائه رسمياً.
ضغوط “يويفا” والتحالف الفرنسي الأوروبي
على الرغم من إلغاء المشروع التجاري، لم تتوقف الضغوط على جياني إنفانتينو. فقد واصل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، برئاسة ألكسندر تشيفرين، تصعيده ضد رئيس الفيفا، مهدداً بمقاطعة شاملة لبطولات الاتحاد الدولي إذا لم يتم سحب مثل هذه التوجهات الرأسمالية تماماً من أجندة الإدارة الدولية. ويرى “يويفا” أن الأزمة لا تقتصر على المشروع الملغى فحسب، بل تتعلق بأسلوب إدارة إنفانتينو الفردي وتهميشه للاتحادات القارية. وفي هذا السياق، جاء الدعم الفرنسي واضحاً ومباشراً؛ حيث ساند ماكرون موقف تشيفرين ورئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، فيليب ديالو. كما بادر الرئيس الفرنسي بالاتصال بإنفانتينو لحثه على الحفاظ على وحدة اللعبة وتجنب الانقسامات، وتواصل أيضاً مع رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، باتريس موتسيبي، لضمان احتواء الأزمة على المستوى القاري.
تداعيات مستقبلية وصراع النفوذ قبل انتخابات 2027
تكتسب هذه التحركات أهمية بالغة بالنظر إلى اقتراب موعد انتخابات رئاسة “فيفا” المقررة في مارس 2027 بالعاصمة المغربية الرباط. وقد أثارت التدخلات الفرنسية تساؤلات عميقة في الأوساط الرياضية حول ما إذا كانت باريس تسعى لإنهاء حقبة إنفانتينو. ورغم أن المقربين من قصر الإليزيه تجنبوا إعطاء إجابة مباشرة حول هذا التساؤل، مكتفين بالتأكيد على دعم فرنسا الكامل لألكسندر تشيفرين، إلا أن المراقبين اعتبروا هذا الموقف رسالة دبلوماسية قوية ومبطنة لإنفانتينو. وتتحفظ فرنسا بشدة على خصخصة النشاط التجاري لكرة القدم، مؤكدة أن العائدات المتوقعة لكأس العالم والتي قد تبلغ 15 مليار دولار، إلى جانب احتياطيات الفيفا المقدرة بـ 5 مليارات دولار، تعد أكثر من كافية لتطوير اللعبة ودعم الاتحادات النامية، لا سيما في القارة الأفريقية، دون الحاجة لبيع حصص لمستثمرين أجانب.

