في خطوة غير مسبوقة تكشف عن عمق الانقسامات والضغوط السياسية والاقتصادية داخل أروقة الحكم في طهران، كشف مسؤولون إيرانيون عن كواليس مثيرة سبقت التوصل إلى مذكرة التفاهم الأخيرة مع الولايات المتحدة. وأكدت المصادر أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لوّح بتقديم استقالته والتنحي عن منصبه للضغط على المرشد الأعلى علي خامنئي، وذلك بهدف انتزاع موافقته على المضي قدماً في الاتفاق مع واشنطن وتجنب انهيار اقتصادي وشيك يهدد استقرار البلاد.
رسالة البنك المركزي التي غيرت مسار المفاوضات
وفقاً لما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن أربعة مسؤولين إيرانيين، فإن بزشكيان أبلغ خامنئي خلال اجتماع حاسم وعاجل بأن الحصار البحري والعقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد أدت إلى شلل واسع في مفاصل الاقتصاد الإيراني. وأوضح الرئيس الإيراني أن الحكومة لم تعد قادرة على إدارة الأزمات المتلاحقة بالآليات التقليدية المعتادة.
وفي هذا السياق، لعبت رسالة سرية وعاجلة وجهها محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، دوراً حاسماً في تغيير موقف القيادة الإيرانية العليا. وحذر همتي في رسالته من أن إيران تواجه أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة في تاريخها الحديث، مؤكداً أن مخزونات السلع الغذائية والأدوية الأساسية قد تنفد بالكامل بحلول نهاية شهر أغسطس المقبل إذا استمر الحصار الاقتصادي الأمريكي المشدد دون حلول جذرية.
تحالف البراغماتيين في مواجهة التيار المتشدد
دفعت هذه التحذيرات الاقتصادية الصادمة، إلى جانب الضغوط السياسية المستمرة التي مارسها بزشكيان وفريقه، المرشد علي خامنئي إلى التراجع عن معارضته السابقة لفكرة التفاوض المباشر، والموافقة على المضي قدماً في إبرام مذكرة التفاهم مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقد نجح بزشكيان، بالتعاون مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في بناء تحالف قوي وواسع داخل مؤسسات الحكم الإيرانية لدعم خيار التفاوض باعتباره ضرورة استراتيجية ملحة لحماية النظام واستمراره، وليس مجرد مناورة سياسية مؤقتة. ورغم المعارضة الشرسة والاتهامات بالخيانة التي وجهها التيار المتشدد لفريق التفاوض، نجح هذا المعسكر البراغماتي في تمرير قرارات مصيرية شملت قبول وقف إطلاق النار وإجراء محادثات مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين.
الجذور التاريخية للأزمة وسياق الاتفاق مع واشنطن
لتفهم أبعاد هذا التحول الدراماتيكي، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية المعقدة للعلاقات الإيرانية الأمريكية. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الصارمة تحت استراتيجية “الضغط الأقصى”، عانى الاقتصاد الإيراني من تضخم متسارع وانهيار قياسي في قيمة العملة المحلية (الريال)، مما أدى إلى احتجاجات شعبية متكررة وضغوط معيشية خانقة على المواطنين. هذا التراكم التاريخي جعل من الاتفاق مع واشنطن المخرج الوحيد المتاح أمام القيادة الإيرانية لتفادي سيناريوهات الفوضى الداخلية والانهيار الشامل.
الأبعاد الاستراتيجية والتأثيرات الإقليمية والدولية
يحمل هذا التطور السياسي الكبير دلالات بالغة الأهمية على الصعيدين الإقليمي والدولية. محلياً، يمثل الاتفاق فرصة لالتقاط الأنفاس وضخ السيولة في الأسواق الإيرانية المتعطشة، مما قد يسهم في تهدئة الشارع الإيراني الغاضب من تدهور الأوضاع المعيشية. إقليمياً، من المتوقع أن يؤدي هذا التقارب إلى خفض حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً فيما يتعلق بملفات الأمن البحري ونشاط الفصائل المسلحة الموالية لطهران.
أما دولياً، فإن نجاح المفاوضات المباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يمهد الطريق لصياغة توازنات جديدة في سوق الطاقة العالمي، ويعيد رسم خريطة العلاقات الدبلوماسية في المنطقة، مما يثبت أن البراغماتية السياسية قد تغلبت في النهاية على الشعارات الأيديولوجية داخل هرم السلطة الإيراني.


