spot_img

ذات صلة

المنتدى السعودي للإعلام: مستقبل السينما والدراما والإبداع

يستعد المنتدى السعودي للإعلام، الذي يُعد منصة رائدة لتبادل الأفكار والرؤى في المشهد الإعلامي المتطور، لاستضافة نخبة من صُنّاع الفن والسينما والإنتاج والتواصل الثقافي. في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لا سيما في قطاع الإعلام والترفيه، يأتي هذا المنتدى ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تتغير شاشة اليوم، وما هي المقومات التي تصنع محتوى سعودياً قادراً على المنافسة والوصول إلى العالمية؟ يكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة في سياق رؤية السعودية 2030، التي تضع الثقافة والترفيه في صميم أولوياتها، وتسعى لتحويل المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي للإبداع والإنتاج الإعلامي.

يشهد المنتدى حواراً مكثفاً يقوده ثمانية أسماء بارزة، كلٌ منها يقدم منظوراً فريداً لمستقبل الصورة والسرد والإبداع. تتوزع هذه الحوارات على جلسات محورية تتناول قضايا حيوية، بدءاً من نقاش “موت السينما” بين الصالة والمنصّات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، مروراً بـ “ابتكارات محلية بلمسة عالمية” في صناعة المحتوى وتسويقه، وصولاً إلى توظيف البطولة في الدراما لتعزيز القيم الوطنية. هذه المحاور لا تعكس فقط التحديات الراهنة، بل تستشرف أيضاً الفرص الواعدة التي يمكن للمملكة استثمارها لتشكيل مستقبل إعلامي مزدهر.

تُعد جلسة “موت السينما.. هل قتلت المنصّات الشاشة الكبيرة أم أعادت تعريفها؟” من أبرز الجلسات التي تستقطب الاهتمام، حيث تتناول الجدل الدائر عالمياً حول مصير دور العرض التقليدية في عصر المنصات الرقمية. يشارك الفنان والمستشار الثقافي عبدالإله السناني، بصفته صوتاً قريباً من المزاج العام للمشاهد وتحوّلاته، ليطرح سؤال تكرار الحديث عن “موت السينما”. يقارب السناني الفارق بين أزمة عابرة وتحول جذري في نموذج المشاهدة والإيرادات، مع تركيز على انتقال مركز الثقل إلى البيت وصعود الاشتراك والخوارزمية في صناعة القرار. هذا التحول ليس مجرد تغيير في وسيلة العرض، بل هو إعادة تشكيل كاملة لتجربة المشاهدة، مما يفرض على صناع السينما التفكير في نماذج جديدة للوصول إلى الجمهور.

من جانبه، يضيف المخرج السينمائي والتلفزيوني عبدالعزيز الشلاحي منظور الصانع الذي يرى أثر المنصّات على لغة الفيلم ذاتها. يناقش الشلاحي تغيّر الإيقاع وطول المشاهد وبناء التشويق، وصعود السرد المتسلسل على حساب “الفيلم-الحدث”، ثم يذهب إلى قلب المعادلة: كيف تتحول البيانات إلى “منتج خفي” يعيد رسم اختيارات القصص والنجوم والأنواع. هذا التحليل العميق يسلط الضوء على الدور المتزايد للبيانات والذكاء الاصطناعي في توجيه الإنتاج الفني، مما يثير تساؤلات حول الأصالة والإبداع في ظل هذه المعطيات الجديدة.

وتدخل هناء العمير، رئيسة جمعية السينما السعودية، إلى النقاش من بوابة القطاع وصناعته، لتلتقط خيط تجربة الصالة مقابل تجربة المنصّة؛ عناصر الجماعة والصوت والصورة والحدث. تطرح العمير كيف يمكن إعادة هندسة تجربة السينما لتصبح لا تُفوّت، وضمن السياق نفسه، تقترح إستراتيجيات بقاء ونهضة للسينما التقليدية عبر نماذج إطلاق هجينة ونوافذ عرض ذكية وشراكات تحافظ على هوية التجربة. تعكس هذه الرؤية التزام المملكة بدعم دور العرض السينمائية مع التكيف مع متطلبات العصر الرقمي، وهو ما يتجلى في افتتاح العديد من دور السينما الحديثة في السنوات الأخيرة.

وتُقدّم منال العويبيل، مديرة إدارة التواصل المؤسسي في هيئة الأدب والنشر والترجمة، خبرة تمتد لأكثر من 15 عامًا في الاتصال المؤسسي والإعلام وصناعة المحتوى الإبداعي والدرامي. تقود العويبيل إستراتيجيات اتصال وحملات ثقافية وطنية عززت الحضور الثقافي السعودي ونالت جوائز دولية، من بينها جائزة كوتلر للتسويق الثقافي، كما أسهمت في تأسيس وتطوير قطاع الأفلام ضمن منظومة وزارة الثقافة وهيئة الأفلام. إلى جانب ذلك، تعمل ككاتبة سيناريو ومقدمة برامج ثقافية وقدّمت محتوى نقديًا عبر برنامج «سينماك» وبودكاست «المحتوى الثقافي»، لتربط بين السرد الثقافي وصناعة أثر مستدام، مؤكدة على أهمية المحتوى الهادف في تشكيل الوعي العام.

تنتقل جلسات المنتدى إلى محور “ابتكارات محلية بلمسة عالمية”، الذي يسلط الضوء على القدرة السعودية المتنامية في إنتاج محتوى إبداعي ينافس على الساحة الدولية. يشارك حسن عسيري، الرئيس التنفيذي لشركة الصدف للإنتاج، محملاً بسجل إنتاجي واسع وخبرة تتجاوز 36 عامًا في الصناعة، حيث قدّم أكثر من 329 مشروعًا صُوّرت في 21 دولة، وحصدت أعماله 16 جائزة وتكريمًا. عبر محاور الهوية الثقافية وتقنيات الإنتاج المبتكر وتسويق المحتوى عالميًا، يقدّم عسيري تجربة عملية في نقل الدراما والإنتاج التلفزيوني من إطار محلي إلى حضور عربي واسع، مؤكداً على أهمية الاستثمار في الكفاءات المحلية وتطوير البنية التحتية للإنتاج.

ويشارك فهد البتيري، عضو مؤسس سابق في مجموعة تلفاز11 للمحتوى الرقمي والإنتاج الفني، في الجلسة نفسها بمنظور الكاتب والممثل وصاحب الخبرة المؤسسية، فقد عمل مستشارًا لهيئة الإعلام المرئي والمسموع، كما شغل منصب مستشار تطوير المحتوى في استوديوهات MBC. يلتقط البتيري من محاور الجلسة ما يخص تحويل التجارب السعودية والعربية الناجحة إلى نماذج قابلة للتوسع، مع اهتمام خاص بترجمة الهوية إلى منتج يجذب السوق. يعكس هذا التوجه الرغبة في بناء صناعة محتوى مستدامة وقادرة على التصدير، مستفيدة من التنوع الثقافي الغني للمملكة.

ويضيف إبراهيم الحجاج، ممثل سعودي وشريك مؤسس في بيت الكوميديا، إلى “ابتكارات محلية بلمسة عالمية” زاوية الأداء والكوميديا بوصفهما صناعة قائمة على الإيقاع والذكاء والاقتراب من الناس. عبر محاور الهوية وتقنيات الإنتاج والتسويق عالميًا، يضيء الحجاج على كيفية صياغة محتوى يحافظ على نبرته المحلية ويستثمر أدوات صناعة الصورة الحديثة لتحقيق انتشار أوسع. هذا التركيز على الكوميديا المحلية يعكس قدرة الفنانين السعوديين على تقديم محتوى أصيل يلامس الجمهور المحلي ويحظى في الوقت نفسه بتقدير عالمي.

تختتم الجلسات بمحور “من الملحمة إلى الشاشة: توظيف البطولة في الدراما لتعزيز القيم الوطنية”، الذي يبرز الدور المحوري للدراما في تشكيل الوعي الجمعي وتعزيز الهوية الوطنية. يشارك المخرج السينمائي توفيق الزايدي، أحد أبرز أصوات الموجة الجديدة للسينما السعودية، والذي حقق إنجازًا بفيلمه الروائي الطويل الأول «نورة» بدخوله الاختيار الرسمي لمهرجان كان السينمائي في دورته السابعة والسبعين كأول مخرج سعودي يشارك في هذه المسابقة المرموقة. يناقش الزايدي الملحمة كمرجع للدراما الوطنية، والبطولة بين الحقيقة والخيال، والقيم الوطنية على الشاشة، ثم انتقال الدراما من المحلية إلى العالمية. هذا المحور يؤكد على غنى التراث السعودي بالقصص البطولية التي يمكن تحويلها إلى أعمال درامية ملهمة، تسهم في بناء جسور التواصل الثقافي مع العالم.

في المحصلة، يرسم المنتدى السعودي للإعلام عبر هذه الأسماء الثمانية خريطة أسئلة صريحة حول مستقبل السينما والدراما وصناعة المحتوى: كيف تتعايش الشاشة الكبيرة مع المنصّات؟ وكيف تصنع الخوارزمية ذائقة جديدة؟ وأين يقف الذكاء الاصطناعي بين تطوير النصوص والمؤثرات والدبلجة ومعايير الحقوق والأخلاقيات؟ وكيف تتحول الهوية الثقافية إلى ابتكار قابل للتصدير؟ هذه الجلسات لا تضع التجربة السعودية في قلب النقاش فحسب، بل تمنح المشاهد والقارئ وصانع المحتوى مساحة لفهم ما يتشكل الآن… على الشاشة وخلفها. إن المنتدى يمثل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ مكانة المملكة كلاعب رئيسي في صناعة الإعلام والترفيه، ليس فقط على الصعيد المحلي والإقليمي، بل أيضاً على الساحة الدولية، بما يتماشى مع طموحات رؤية 2030 في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.

spot_imgspot_img