انطلقت اليوم (الاثنين) في العاصمة السعودية الرياض فعاليات مؤتمر الحطام الفضائي الدولي، الذي تنظمه وكالة الفضاء السعودية. يشهد المؤتمر مشاركة دولية واسعة تضم ممثلين عن 75 دولة حول العالم، إلى جانب نخبة من الخبراء وصناع القرار وممثلي الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والشركات المتخصصة في قطاع الفضاء، مما يؤكد على الأهمية المتزايدة لهذا التحدي العالمي الذي يواجه البشرية.
يأتي انعقاد هذا المؤتمر في وقت حرج، حيث تتزايد المخاوف بشأن تراكم الحطام الفضائي في مدارات الأرض. فمنذ إطلاق أول قمر صناعي (سبوتنيك) في عام 1957، شهد الفضاء الخارجي تزايداً مطرداً في عدد الأجسام التي تدور حول كوكبنا، بما في ذلك الأقمار الصناعية العاملة، والأقمار الصناعية المعطلة، ومراحل الصواريخ المستهلكة، وشظايا الانفجارات والاصطدامات. وقد أدت حوادث بارزة مثل اختبار الصين المضاد للأقمار الصناعية عام 2007، واصطدام قمري إيريديوم وكوزموس عام 2009، إلى زيادة هائلة في كمية الحطام، مما يهدد بتفاقم ما يُعرف بـ “متلازمة كيسلر”، وهي سلسلة من الاصطدامات المتتالية التي قد تجعل بعض المدارات غير صالحة للاستخدام على المدى الطويل. هذا الحطام يمثل تهديداً مباشراً للأقمار الصناعية النشطة التي نعتمد عليها في حياتنا اليومية، من الاتصالات والملاحة إلى الرصد الجوي والأمن.
تهدف جهود المملكة العربية السعودية من خلال هذا المؤتمر إلى توحيد المساعي الدولية لمواجهة هذه التحديات المتنامية، وتعزيز مفهوم استدامة الفضاء كمورد مشترك للبشرية جمعاء. إن حماية الأنشطة الفضائية والبنية التحتية المدارية، ودعم نمو اقتصاد الفضاء العالمي الذي يعتمد بشكل متزايد على الأقمار الصناعية في مجالات الاتصالات والملاحة والرصد الجوي، أصبح أمراً حيوياً لا غنى عنه لضمان استمرارية التقدم التكنولوجي والاقتصادي.
يُعقد المؤتمر بدعم من مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي (UNOOSA)، وبالشراكة مع الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، مما يعكس التزاماً دولياً راسخاً بتعزيز التعاون وبناء أطر حوكمة فعّالة للتعامل مع مخاطر الحطام الفضائي. هذا التعاون يضمن بيئة فضائية آمنة ومستدامة للأجيال القادمة، ويؤكد على أن مشكلة الحطام الفضائي تتجاوز الحدود الوطنية وتتطلب حلولاً جماعية وتنسيقاً عالمياً.
ويسعى المؤتمر إلى ترسيخ مكانة المملكة بصفتها محوراً عالمياً رائداً في مجال استدامة الفضاء، بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030 الطموحة التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الابتكار والريادة في المجالات التقنية والعلمية. كما يهدف إلى جمع الخبراء والمختصين من مختلف أنحاء العالم لتعزيز التنسيق الدولي حول القضايا والتحديات المرتبطة بالحطام الفضائي، وإبراز دور وكالة الفضاء السعودية في تبني ودعم السياسات والمبادرات التي تسهم في حماية مستقبل اقتصاد الفضاء وضمان استدامته على المدى الطويل، مما يعزز من دور المملكة كشريك فاعل في المجتمع الفضائي الدولي.
من أبرز أهداف المؤتمر رفع مستوى الوعي العالمي بمخاطر الحطام الفضائي، وبحث التشريعات والسياسات ذات الصلة، وتعزيز البحث والابتكار في هذا المجال الحيوي. كما يسعى إلى تطوير آليات وحوكمة دولية فعّالة للتخفيف من آثار الحطام الفضائي، بما يضمن الاستخدام المسؤول والمستدام للمدارات الفضائية التي تعد شرياناً حيوياً للحياة الحديثة والتقدم البشري.
يشهد المؤتمر على مدى يومين عقد جلسات حوارية وكلمات رئيسية تناقش عدداً من المحاور الجوهرية، من أبرزها: استدامة الفضاء، وحماية الاقتصاد الفضائي العالمي، وتوحيد الجهود الدولية، وبناء الوعي المشترك. بالإضافة إلى ذلك، سيتم استعراض أحدث الابتكارات والشراكات الدولية والحلول التشغيلية التي تسهم في معالجة تحديات الحطام الفضائي، والحد من مخاطره المتزايدة على الأنشطة الفضائية الحالية والمستقبلية، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون والابتكار.
ويسلّط المؤتمر الضوء بشكل خاص على منافسة “DebrisSolver”، التي تمثل منصة دولية مبتكرة لتحفيز الابتكار التطبيقي في مجال معالجة الحطام الفضائي. تجمع هذه المنافسة نخبة من الخبراء والمحكّمين الدوليين لتقييم حلول مبتكرة وفق أعلى المعايير العلمية والتقنية، ودعم تحويل الأفكار البحثية الواعدة إلى حلول عملية قابلة للتطبيق، مما يعكس التزام المؤتمر بالانتقال من النقاش إلى العمل الملموس في هذا المجال الحيوي.
إن استضافة الرياض لهذا الحدث العالمي تؤكد على التزام المملكة بدورها الفاعل في معالجة التحديات العالمية، وتعزيز التعاون الدولي من أجل مستقبل فضائي آمن ومستدام للبشرية جمعاء، وتبرز مكانتها كمركز إقليمي ودولي للعلوم والتقنية.


