spot_img

ذات صلة

القضاء العراقي يحث الأحزاب على الالتزام بالدستور بعد تأجيل انتخاب الرئيس

في خطوة حاسمة لضمان الاستقرار السياسي ومنع أي فراغ دستوري، شدد مجلس القضاء الأعلى في العراق على ضرورة الالتزام بالتوقيتات الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة. يأتي هذا التأكيد بعد يومين من قرار مجلس النواب العراقي تأجيل جلسة انتخاب رئيس جديد للبلاد إلى أجل غير مسمى، مما أثار مخاوف بشأن مسار العملية الديمقراطية في البلاد.

ودعا المجلس، في بيان صادر عنه، جميع الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة إلى احترام هذه التوقيتات وعدم خرقها. وأكد البيان أن الالتزام الدستوري هو السبيل الوحيد للحفاظ على الاستقرار السياسي، وضمان سير العملية الديمقراطية وفق الأطر القانونية، ومنع أي تدخلات خارجية قد تستغل حالة عدم اليقين السياسي.

تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، التي كانت مقررة يوم الثلاثاء الماضي، جاء بناءً على طلب من أبرز القوتين السياسيتين الكرديتين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اللتين تسعيان لمزيد من الوقت للتوافق على مرشح واحد للمنصب. هذا التأجيل يعكس تحديًا متكررًا في المشهد السياسي العراقي، حيث غالبًا ما تتأخر عملية تشكيل الحكومات والاتفاق على المناصب السيادية بسبب تعقيدات التوافقات الحزبية والطائفية.

السياق الدستوري والتقاليد السياسية:

يعتمد النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 على مبدأ تقاسم السلطة (المحاصصة) بين المكونات الرئيسية. وبموجب هذا التوافق غير المكتوب، يُخصص منصب رئيس الجمهورية عادةً للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة. تاريخيًا، يتنافس على منصب الرئاسة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتخذ من أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق معقلاً له، والاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يتمركز في السليمانية. ورغم هذا التنافس، جرى العرف على أن يتولى الاتحاد الوطني الكردستاني منصب رئاسة البلاد، بينما يتولى الحزب الديمقراطي الكردستاني رئاسة إقليم كردستان وحكومته. هذا التوازن الدقيق غالبًا ما يكون عرضة للتوترات، خاصة عند اختيار المرشحين.

أهمية الالتزام بالمواعيد الدستورية:

يُعد الالتزام بالمواعيد الدستورية أمرًا حيويًا لضمان استمرارية الدولة وعمل مؤسساتها. فوفقًا للدستور العراقي، يُكلّف رئيس الجمهورية، خلال 15 يومًا من انتخابه، مرشح «الكتلة النيابية الأكبر عددًا» بتشكيل الحكومة. ويُمنح رئيس الوزراء المكلّف مهلة 30 يومًا لإنجاز مهمة التأليف الحكومي وتقديمها للبرلمان لنيل الثقة. أي تأخير في هذه العملية يؤدي إلى فراغ دستوري، ويعرقل عمل الحكومة، ويؤثر سلبًا على تقديم الخدمات للمواطنين، وإقرار الموازنات، وتنفيذ المشاريع التنموية. كما أنه يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية ويزيد من حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي في البلاد.

التأثيرات المتوقعة:

على الصعيد المحلي، يمكن أن يؤدي استمرار التأجيل إلى تفاقم الأزمات القائمة، وزيادة الإحباط الشعبي من الطبقة السياسية، وربما يؤدي إلى احتجاجات. إقليميًا ودوليًا، يُنظر إلى استقرار العراق على أنه عامل أساسي لاستقرار المنطقة بأسرها. أي اضطراب سياسي في العراق يمكن أن يكون له تداعيات على دول الجوار، مثل إيران وتركيا ودول الخليج، وكذلك على الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. لذا، فإن دعوة القضاء الأعلى تأتي لتؤكد على الدور المحوري للمؤسسات الدستورية في حماية العملية السياسية من الانسداد.

المرشحون الحاليون:

في هذه الجولة، يبرز مرشحان رئيسيان لمنصب رئاسة جمهورية العراق: وزير الخارجية السابق فؤاد حسين (76 عامًا) عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير البيئة السابق نزار آميدي (57 عامًا) عن الاتحاد الوطني الكردستاني. التوافق بين هذين الحزبين على مرشح واحد هو المفتاح لكسر الجمود الحالي والمضي قدمًا في استكمال الاستحقاقات الدستورية.

يبقى الضغط القضائي والسياسي قائمًا على الأحزاب للتوصل إلى حلول سريعة تضمن احترام الدستور وتجنب المزيد من التعطيل الذي قد يهدد مستقبل العملية الديمقراطية في العراق.

spot_imgspot_img