spot_img

ذات صلة

إيران تعرض التخلي عن النووي مقابل رفع العقوبات | تحليل شامل

في تطور دبلوماسي لافت، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران مستعدة لتبني اتفاق يضمن عدم امتلاك أسلحة نووية، وذلك مقابل رفع شامل للعقوبات المفروضة عليها. هذا الإعلان، الذي جاء في منشور على منصة «إكس» يوم السبت، يعكس رغبة إيرانية في كسر الجمود الدبلوماسي القائم منذ سنوات طويلة.

تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي معقد، يعود جذوره إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). هذا الاتفاق، الذي أبرمته إيران مع القوى العالمية (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، روسيا، والصين)، كان يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي بشكل كبير مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية الدولية. وقد اعتبر الاتفاق حينها إنجازاً دبلوماسياً كبيراً يحد من انتشار الأسلحة النووية في المنطقة ويفتح آفاقاً للتعاون.

غير أن المشهد تغير جذرياً في عام 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق بشكل أحادي الجانب تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، ضمن حملة «الضغط الأقصى». رداً على ذلك، بدأت إيران تدريجياً في التراجع عن بعض التزاماتها النووية، مما أدى إلى تصاعد التوترات بشكل كبير ووضع المنطقة على حافة المواجهة العسكرية، مع تزايد المخاوف الدولية بشأن مستقبل الاتفاق النووي.

وفي ظل هذه التوترات المتصاعدة، أكد عراقجي استعداد بلاده للتواصل مع دول المنطقة لحماية الأمن والاستقرار، مشيراً إلى أن عدة خيارات مطروحة بشأن مضيق هرمز إذا تصاعدت الأحداث. ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، مما يجعله نقطة اشتعال محتملة ذات تداعيات اقتصادية وجيوسياسية عالمية خطيرة، تؤثر على أسعار الطاقة واستقرار الأسواق الدولية.

وعلى الرغم من الحشد العسكري الأمريكي البحري في المنطقة، جددت إيران التأكيد على استعدادها للحوار مع الولايات المتحدة، إلا أنها لوحت بكل الاحتمالات في ردها على أي هجوم. وأفاد عراقجي، الذي زار إسطنبول أمس الجمعة، أن طهران ترحب بالجهود التركية الساعية لتحقيق السلام والاستقرار بالمنطقة، مما يشير إلى دور محتمل لتركيا أو غيرها من القوى الإقليمية والدولية كوسيط في تخفيف حدة التوتر.

واعتبر الوزير الإيراني أنه لا تتوفر حالياً أرضية جدية للتفاوض مع أمريكا، مؤكداً أن طهران تفضل الحوار والدبلوماسية. ودعا إلى ضرورة إزالة أجواء التهديد والضغط قبل أي مفاوضات حقيقية وعادلة ومنصفة. ومع ذلك، شدد على أن قدرات بلاده الدفاعية والصاروخية غير قابلة للنقاش، وهو موقف ثابت لطهران تعتبره جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي وسيادتها، ولا يمكن التنازل عنه في أي مفاوضات.

من جانبه، صعّد مستشار المرشد الإيراني علي شمخاني، مؤكداً أن رد طهران على أي هجوم سيصل إلى قلب تل أبيب، وفق ما أفادت وكالة تسنيم. وأفاد ممثل خامنئي في المجلس الأعلى للدفاع، بأن بلاده سترد على أي اعتداء رداً فعالاً ورادعاً، مما يعكس مستوى التوتر العالي والتحذيرات المتبادلة بين الأطراف، ويؤكد على استعداد إيران للدفاع عن نفسها.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد هدد مراراً بالخيار العسكري، وأعلن مساء الجمعة، أنه منح السلطات الإيرانية مهلة للتفاوض، دون أن يفصح عن مزيد من التفاصيل، مما يزيد من حالة عدم اليقين في المنطقة ويضع ضغوطاً إضافية على طهران لاتخاذ قرار بشأن مسارها المستقبلي.

إن هذه التطورات تحمل أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي اتفاق أو تصعيد إلى تغييرات جذرية في موازين القوى والأمن في الشرق الأوسط، ويؤثر على دول الخليج العربي بشكل مباشر، وعلى استقرار الملاحة البحرية. أما دولياً، فإن مصير البرنامج النووي الإيراني والعقوبات المفروضة عليه يؤثر على أسواق الطاقة العالمية، وعلى جهود منع انتشار الأسلحة النووية، وعلى مصداقية الدبلوماسية الدولية في حل النزاعات المعقدة. يبقى العالم يترقب ما إذا كانت هذه التصريحات ستفتح باباً لحل دبلوماسي مستدام أم ستزيد من تعقيد الأزمة الراهنة.

spot_imgspot_img