توقعت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني في تقرير حديث لها أن تسجل ديون الاقتصادات المتقدمة مستويات قياسية غير مسبوقة لتصل إلى 75.8 تريليون دولار بنهاية عام 2026. ويمثل هذا الارتفاع زيادة هائلة تقدر بنحو 4.2 تريليون دولار في غضون عام واحد فقط، مما يرفع إجمالي الدين العام لهذه الدول إلى ما يعادل 104% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما يضع النظام المالي العالمي أمام تحديات هيكلية معقدة.
الجذور التاريخية لتراكم ديون الاقتصادات المتقدمة
لفهم هذه الأرقام الضخمة، يجب العودة إلى الحقبة التي تلت الأزمة المالية العالمية عام 2008. فخلال تلك الفترة، تبنت البنوك المركزية الكبرى سياسات نقدية تيسيرية للغاية، تمثلت في خفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر، بالإضافة إلى برامج التيسير الكمي. هذه البيئة ذات الفائدة المنخفضة جعلت العجوزات الكبيرة والديون المرتفعة تبدو مستدامة ومقبولة، مما سمح للحكومات بتجنب اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة أو غير شعبية، مثل تقليص الإنفاق العام أو زيادة الضرائب. ومع تفشي جائحة كورونا ثم اندلاع التوترات الجيوسياسية، تضاعفت وتيرة الاقتراض الحكومي لمواجهة الأزمات الطارئة، مما أدى إلى تراكم الديون بشكل متسارع حتى وصلنا إلى الوضع الحالي.
الولايات المتحدة واليابان في صدارة المشهد المالي العالمي
وفقاً لتقرير “فيتش”، تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول المتقدمة من حيث عجز الموازنة المتوقع لهذا العام، والذي يقدر بنسبة 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وتتوقع الوكالة أن ترتفع نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 120% بحلول عام 2026، وتواصل صعودها لتسجل 131.5% بحلول عام 2030. وفي الوقت نفسه، تظل اليابان صاحبة أعلى نسبة دين بين الاقتصادات الكبرى في العالم، حيث من المتوقع أن يستقر حجم دينها العام عند مستوى قياسي يبلغ نحو 192% من ناتجها المحلي الإجمالي.
ضغوط الإنفاق المتزايدة وتحديات الاستدامة المالية
تواجه الحكومات في الدول المتقدمة ضغوطاً متزايدة ومستمرة على جبهات متعددة تستدعي زيادة الإنفاق العام. وتشمل هذه الضغوط الالتزامات الدفاعية المتنامية في ظل الاضطرابات الدولية الراهنة، وشيخوخة السكان المتسارعة التي تفرض أعباءً إضافية على أنظمة الرعاية الصحية والتقاعد، فضلاً عن الاستثمارات الضخمة المطلوبة للتكيف مع التغير المناخي والتحول نحو الطاقة النظيفة. وتتزامن هذه الضغوط مع ارتفاع تكاليف الاقتراض نتيجة لرفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية لمكافحة التضخم، مما يجعل خدمة الدين تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانيات الحكومية.
تحذيرات دولية وتأثيرات متوقعة على الأسواق العالمية
في ظل هذه المعطيات، أطلق بنك التسويات الدولية (BIS) تحذيرات شديدة اللهجة، مطالباً الحكومات بضرورة كبح جماح الارتفاع المستمر في الدين العام. وأشار البنك إلى أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يجعل المسارات المالية الحالية لبعض الدول الكبرى غير مستدامة على المدى الطويل. إن عدم معالجة هذه الأزمة قد يؤدي إلى تراجع الثقة في الأسواق المالية، وارتفاع تكاليف الاقتراض للقطاع الخاص، مما قد يتسبب في تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وزيادة احتمالات حدوث أزمات ائتمانية قد تمتد آثارها السلبية لتشمل الأسواق الناشئة والدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية والتجارة الدولية.


