خطبة الجمعة من المسجد الحرام: الحج رحلة إيمانية متكاملة
في خطبة الجمعة التي ألقاها من رحاب المسجد الحرام، أكد فضيلة الشيخ الدكتور بندر بن عبدالعزيز بليلة أن رحلة العبادة لا تنتهي بانتهاء المواسم، بل هي مسيرة عمر تمتد حتى انقضاء الأجل، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وأوضح فضيلته أن حجاج بيت الله الحرام، وهم يشارفون على إنهاء مناسكهم، قد نهلوا من معين دروس الحج العظيمة، التي تشكل زاداً إيمانياً لحياتهم المستقبلية، داعياً إلى اغتنام ما تبقى من هذه الأيام المباركة بالإكثار من الذكر والدعاء والتكبير.
تمثل فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، وهي رحلة تعود جذورها إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، الذي أمره الله بأن يؤذن في الناس بالحج. ومنذ ذلك الحين، وعلى مر العصور، تستجيب قلوب الملايين من المسلمين لهذا النداء الخالد، فيفدون إلى مكة المكرمة من كل فج عميق، ليشاركوا في أكبر تجمع ديني سنوي في العالم. هذا التجمع لا يقتصر على كونه أداءً لشعائر محددة، بل هو تجسيد حي لوحدة الأمة الإسلامية وتآخيها، حيث تتلاشى الفوارق العرقية والاجتماعية والمادية، ويجتمع الجميع بلباس الإحرام الأبيض، رمزاً للمساواة والتجرد لله وحده.
أبرز دروس الحج: ترسيخ للتوحيد وصقل للأخلاق
أوضح الشيخ بليلة أن الحج بمثابة مدرسة إيمانية وتربوية متكاملة، يتعلم فيها المسلم أسمى القيم والأخلاق. فمن خلال هذه الشعيرة العظيمة، يتحقق أعظم درس وهو تحقيق التوحيد الخالص لله تعالى، والبراءة من كل أشكال الشرك. ويتجلى هذا المعنى بوضوح في شعيرة التلبية التي يلهج بها الحاج: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ»، مؤكداً أن الملك والحمد والنعمة لله وحده لا شريك له. كما حذر فضيلته من أي مظهر من مظاهر التعلق بغير الله، مؤكداً أن النفع والضر بيده سبحانه وتعالى وحده.
وعلى الصعيد التربوي، يغرس الحج في النفوس قيم المحبة والإيثار، والصبر وكظم الغيظ، والعفو والبذل والعطاء. ففي خضم الزحام والتحديات الجسدية، يتعلم الحاج الصبر على المشقة وخفض الجناح لإخوانه المسلمين، مما يعزز أواصر الأخوة الإيمانية. هذا التأثير لا يقتصر على الفرد، بل يمتد ليشكل رسالة سلام وتآخٍ للعالم أجمع، مبرزاً الصورة الحضارية للإسلام في التسامح والتعايش.
ما بعد المناسك: استمرارية الأثر الإيماني
في سياق متصل، شدد فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي، الشيخ الدكتور عبدالمحسن القاسم، على أن الحج يجسد عظمة الإسلام في توحيد المسلمين على كلمة واحدة وهدف واحد. وأكد أن من علامات قبول الحج المبرور أن يعود الحاج إلى وطنه بقلب أتقى وسلوك أزكى، وأن يستثمر هذه الشحنة الإيمانية في حياته اليومية. فالعبادة، كما أوضح، لا تنقطع بانتهاء موسم الحج، بل يجب على المسلم المداومة على الطاعات والمسارعة في الخيرات، وأن يكون الحج نقطة انطلاق نحو حياة جديدة ملؤها الاستقامة والتقوى.
وأشار الخطيبان إلى أن من الأعمال المتبقية للحجاج رمي الجمار في أيام التشريق وطواف الوداع، الذي يعد آخر عهد الحاج بالبيت العتيق، وهو واجب على من أراد مغادرة مكة. وفي ختام خطبتيهما، دعيا الله عز وجل أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يعيدهم إلى ديارهم سالمين غانمين، وأن يحفظ على المملكة العربية السعودية أمنها واستقرارها، ويديم عليها نعمة خدمة الحرمين الشريفين، وأن يعز الإسلام والمسلمين في كل مكان.


