مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثالث، تواجه كييف تحديات داخلية متفاقمة لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية على الجبهات. في قلب هذه التحديات تبرز أزمة التجنيد في أوكرانيا، التي تحولت من عملية دفاع وطني إلى مصدر غضب اجتماعي واسع، مما يضع البلاد على صفيح ساخن ويهدد وحدتها الداخلية في أحلك الظروف.
وبينما تؤكد الخطابات الرسمية استمرار الدعم الشعبي للمجهود الحربي، تكشف الوقائع الميدانية عن تصاعد ملحوظ في رفض سياسات التعبئة القسرية. فمشاهد اقتياد الرجال من الشوارع أو المنازل بالقوة إلى مراكز التجنيد أصبحت متكررة، وسط اتهامات بانتشار الفساد والرشاوى وسوء المعاملة، مما أدى إلى تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسة العسكرية.
من الحماس الوطني إلى التعبئة القسرية: جذور أزمة التجنيد في أوكرانيا
في الأيام الأولى للغزو الروسي الشامل عام 2022، شهدت أوكرانيا موجة عارمة من الحماس الوطني، حيث اصطف آلاف المتطوعين للدفاع عن وطنهم. لكن مع استمرار الحرب وتحولها إلى صراع استنزاف طويل الأمد، بدأت أعداد المتطوعين تتضاءل بشكل طبيعي أمام الخسائر البشرية الفادحة والإرهاق الشديد للجنود على الجبهات. هذا الواقع فرض على الحكومة الأوكرانية ضرورة تكثيف حملات التجنيد الإجباري لتعويض النقص الحاد في القوات، وهو التحول الذي وضع أسس الأزمة الحالية. فالانتقال من الاعتماد على المتطوعين المتحمسين إلى التعبئة القسرية لمواطنين مرهقين أوجد شرخاً عميقاً في المجتمع.
تداعيات تتجاوز الجبهة: انقسام مجتمعي وانهيار الثقة
أثار ملف التجنيد القسري احتجاجات متزايدة داخل المجتمع الأوكراني. فقد تجاوزت عريضة تطالب بوقف التعبئة القسرية 25 ألف توقيع، وهو الحد المطلوب لإجبار الرئاسة على الرد. ووصف مفوض حقوق الإنسان الأوكراني، دميترو لوبينيتس، نظام التجنيد بأنه “قسري”، لافتاً إلى الارتفاع الهائل في الشكاوى ضد مسؤولي التجنيد. وتطور الرفض الشعبي في بعض الحالات إلى أعمال عنف مباشرة، حيث شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من حوادث القتل والطعن والاعتداءات المسلحة ضد ضباط التجنيد. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، تم تسجيل مئات الهجمات على مسؤولي التجنيد منذ بداية الحرب، مما يشير إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والدولة. وتزداد الأزمة تعقيداً مع هروب ما يقارب مليون شخص من التجنيد وفرار 200 ألف آخرين من الخدمة العسكرية، بينما يتمكن الأثرياء غالباً من تجنب الخدمة عبر الرشاوى أو السفر، ليقع العبء الأكبر على كاهل المناطق الفقيرة والريفية.
تأثير يهدد المستقبل: الأبعاد الاقتصادية والديموغرافية
لا يقتصر تأثير أزمة التجنيد على الجانب العسكري، بل يمتد ليطال مستقبل أوكرانيا الاقتصادي والديموغرافي. فالدولة التي تعاني أصلاً من أزمة سكانية حادة، تواجه الآن خطر فقدان جزء كبير من قوتها العاملة. وحذر مسؤولون حكوميون من أن غالبية اللاجئين الأوكرانيين في الخارج قد لا يعودون، مما يهدد استقرار سوق العمل وجهود إعادة الإعمار على المدى الطويل. إن استمرار هذه الأزمة لا يضعف قدرة أوكرانيا على الصمود عسكرياً فحسب، بل يهدد أيضاً نسيجها الاجتماعي وقدرتها على التعافي بعد انتهاء الحرب، مما يجعل معالجتها أولوية قصوى للقيادة في كييف.


