في خطوة تنظيمية فارقة، دخلت اللائحة التنفيذية لنظام جمع التبرعات في السعودية حيز التنفيذ رسمياً، معلنةً عن بدء مرحلة جديدة من الشفافية والموثوقية في القطاع غير الربحي. تهدف هذه الضوابط الخمسة الجديدة إلى حماية “أموال الخير” من أي تجاوزات، ووضع حد فاصل بين العمل الخيري المنظم والممارسات العشوائية التي قد تشوبه، مما يعزز ثقة المتبرعين ويضمن وصول تبرعاتهم إلى مستحقيها بأكثر الطرق أماناً وفعالية.
من العشوائية إلى التنظيم: تطور آليات العمل الخيري في المملكة
تاريخياً، ارتبط العمل الخيري في المملكة العربية السعودية بقيم التكافل الاجتماعي والديني الراسخة، حيث كانت عمليات جمع التبرعات تتم في كثير من الأحيان بطرق تقليدية ومباشرة. ورغم النوايا الحسنة، إلا أن غياب إطار تنظيمي محكم فتح الباب أمام بعض التحديات، مثل صعوبة تتبع مسار الأموال واحتمالية استغلالها في غير مصارفها المخصصة. لذا، جاءت هذه اللائحة الجديدة تتويجاً لجهود الدولة في حوكمة القطاع غير الربحي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 التي تسعى إلى رفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز دوره التنموي.
ضوابط دقيقة لضمان الشفافية والموثوقية
تضع اللائحة الجديدة مجموعة من القواعد الصارمة التي تغلق الباب أمام أي محاولات للتحايل أو سوء الإدارة، وتتمحور حول خمسة محاور رئيسية:
1. وداعاً للتبرعات النقدية المباشرة
حسمت اللائحة الجدل الدائر حول قنوات التبرع، حيث حصرت جمع التبرعات النقدية بشكل قاطع عبر القنوات البنكية والإلكترونية المعتمدة. يشمل ذلك الحوالات البنكية، والمواقع الرسمية للجهات المرخصة، والتطبيقات الذكية، وأجهزة الصرف الآلي، والرسائل النصية (SMS). هذا الإجراء يعني أن أي محاولة لجمع الأموال نقداً أو يدوياً في الشوارع أو الأماكن العامة تُعد مخالفة صريحة للنظام، مما يضمن تتبع كل ريال يتم التبرع به.
2. رقابة مشددة على التبرعات الخارجية
لم يعد استقبال التبرعات من خارج المملكة أمراً سهلاً. فقد استحدثت اللائحة لجنة رفيعة المستوى برئاسة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، وتضم في عضويتها ممثلين عن جهات سيادية كوزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، ورئاسة أمن الدولة. تتولى هذه اللجنة دراسة كل طلب لتلقي تبرعات من الخارج بدقة متناهية قبل منحه الموافقة، وهو ما يعزز من جهود المملكة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
3. “السعودة” شرط أساسي لضمان الموثوقية
في بند يهدف إلى تعزيز الأمان والمساءلة المحلية، اشترطت اللائحة أن يكون جميع القائمين على حملات جمع التبرعات والمسؤولين عن صرفها من المواطنين السعوديين فقط. كما تلتزم الجهات الخيرية بتزويد السلطات المختصة ببيانات هؤلاء الأشخاص، مما يضمن وجود مرجعية واضحة يمكن محاسبتها ويمنع تدخل أي أطراف خارجية غير موثوقة في إدارة أموال المتبرعين.
4. التبرعات العينية تحت مجهر الرقابة
لم تقتصر الضوابط على الأموال النقدية، بل امتدت لتشمل التبرعات العينية مثل الملابس والأطعمة والأجهزة. حيث لا يجوز جمع هذه المواد خارج المقرات الرسمية للجهات المرخصة إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة وتحديد الموقع بدقة عبر العنوان الوطني. كما تشدد اللائحة على ضرورة التأكد من جودة وصلاحية المواد المتبرع بها لضمان وصولها للمستفيدين في أفضل حال.
5. مصير الأموال المصادرة: إعادة توجيه الخير
حددت اللائحة بوضوح مصير التبرعات التي تتم مصادرتها بموجب حكم قضائي بسبب مخالفتها للنظام. حيث يتم إنفاق هذه الأموال في أوجه البر والخير داخل المملكة، مثل كفالة الأيتام، وبناء المساجد، ودعم المشاريع الصحية والتعليمية، وذلك بقرار من المسؤول الأول في الجهة المرخصة، لضمان بقاء نفعها وأثرها الإيجابي داخل المجتمع.
تأثيرات استراتيجية: نحو قطاع غير ربحي أكثر نضجاً وموثوقية
إن تطبيق هذه اللائحة لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة استراتيجية ستعزز من مكانة المملكة على الصعيدين المحلي والدولي. فعلى المستوى المحلي، ستزيد هذه الضوابط من ثقة المواطنين والمقيمين في قنوات التبرع الرسمية، مما قد يؤدي إلى زيادة حجم التبرعات الموجهة للمشاريع التنموية والإنسانية. أما دولياً، فتؤكد هذه الإجراءات التزام المملكة الراسخ بالمعايير الدولية للشفافية المالية ومكافحة الجرائم الاقتصادية، مما يرسم صورة أكثر إشراقاً للعمل الخيري السعودي المنظم والمسؤول.


